

بدل أن تلعن الظلام أشعل شمعة
مثل صيني
| ► | تشرين الثاني 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||
اغاني ليبية
تشرين الثاني 2nd, 2008 كتبها المختار الجدال نشر في , لقاء,


تشرين الأول 27th, 2008 كتبها المختار الجدال نشر في , لقاء,
حوار مع الاستاذ عمار جحيدر الباحث بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية - الجزء الثاني
* التليسي ـ المصراتي ـ النائب ـ بازامة - بعيو - مناع ـ الوافي ـ الأشهب: أسماء ليبية كتبت في التاريخ، لا أقول ما تقييمك لهذه الأسماء، ولكن ماذا تعني لك وللتاريخ في ليبيا؟
- سؤال لطيف أثير محبب إلى النفس حقا. ولكنني أودُ أن أستأذنكم في هذا الترتيب الاجرائي أولا. وفقا لتواريخ الميلاد، مراعاة للنسق التاريخي المعتاد في توالي الاجيال. وقد شدَني هذا الهاجس المنهجي منذ عدة سنوات، وأعني ضرورة ترتيب (الأعلام المعاصرين) على وجه الخصوص، وفقا لتواريخ ميلادهم، إذ أن ذلك أكثر دقة وضبطا واستفادة من سياق التسلسل الزمني؛ ولا معنى اليوم - فيما أرى - لترتيب الأعلام على الحروف مع وجود الفهارس والكشافات الحديثة التي يمكن أن تلحق بكل أثر عند نشره؛ خلافا للآثار القديمة التي كانت ترتب فيها التراجم على الحروف قبل ظهور الفهارس للضرورة.
وقد حرصت على تطبيق هذا الاجراء المنهجي الأثير - وأعني ترتيب الأعلام المحدثين / المعاصرين على تاريخ الميلاد - صحبة الأخ الفاضل العالم الأديب الدكتور عبدالحميد عبد الله الهرامة في كتابنا المشترك (الشعر الليبي في القرن العشرين: قصائد مختارة لمئة شاعر) الصادرعن دار الكتاب الجديد في بيروت سنة 2001. وليس غريبا أن يرتب الشعراء المعاصرون، ونصوصهم المختارة أيضا، على هذا النسق الزمني للوقوف على تطور (القول الشعري) وهو من صميم تاريخنا الثقافي، في هذا الفضاء الأدبي خلال قرن على سبيل المثال؛ ونرجو أن يكون ذلك مفيدا لنظرات القراء والنقاد. ولا يصح في النظر السليم اليوم أن نعرف (الحفيد إبراهيم) مثلا؛ لأنَه في حرف الهمزة، قبل (الجد يوسف) لأنَه في حرف الياء. كما استوقفتني أخيرا ذات يوم غير بعيد في كتاب (وفيات الأعيان) لابن خلكان؛ وهو من أشهر كتب التراجم، إشارة المؤلف في مقدمته الى أنَه وجد ترتيبه على حروف المعجم أيسر منه على السنين، ليكون أسهل للتناول، مع أنَ ذلك يفضي إلى (تأخير المتقدم وتقديم المتأخر في العصر).
وعلى هذا النسق الاجرائي الأثير ينبغي اليوم ترتيب هؤلاء المؤرخين الليبيين المحدثين/ المعاصرين على النحو التالي مراعاة للتسلسل الزمني:
النائب (1848) - الاشهب (؟) – بعيو (1921) - بازامه (1923) - المصراتي (1926) - التليسي (1930) - مناع (1930) - الوافي (1936).
ويطيب لي أن أعبر أولا عن تقديري العميق لهم جميعا؛ وقد تتلمذت على عطائهم وجل آثارهم القيمة العديدة، وسعدت بالقرب من بعضهم، ومن دعمهم النبيل وأبوتهم العلمية الكريمة على المستوى الشخصي، وهم على المستوى التاريخي قبل ذلك رموز ثقافية جليلة أكبر عطاءهم العلمي وتجاربهم الثرية الغزيرة؛ وأود أن أخصهم بالاشارات الموجزة التالية:
1ـ أحمد النائب الانصاري (1848): مؤرخ وجيه من الأعيان، بادر الى العناية بتاريخ بلاده بشقيه: السياسى (في الاحداث والوقائع) والثقافي (في التراجم) وحرص على تقديم جهده مبكرا الى المطبعة؛ فكان كتابه (المنهل العذب) من بواكير المطبوعات في المكتبة الليبية. وقد عدَه الأستاذ التليسي في شهادته المعاصرة التي قدَمها إلى ندوة المؤرخ نفسه (بالمركز سنة 1999) المحطة الثانية للوعي بالكيان ـ بعد ابن غلبون ـ في حين جعل المحطة الثالثة مقتسمة بين رمزين آخرين مختلفين؛ وهما الشيخ الزاوي ممثلا للدراسات التقليدية، والأستاذ بعيو رائدا للدراسات التاريخية المنهجية الجديدة.
وقد عنيت - على وجه الخصوص- بسيرة المؤرخ أحمد النائب الانصاري الموزعة على عدة مراحل (بين طرابلس، واستانبول، وبلاد الشام) ومجمل آثاره التي تشمل أيضا (الجزء الثاني من المنهل العذب) وكتابه الآخر (نفحات النسرين) الذين نشرا أخيرا بعد وفاته. وأتاحت لي هذه المتابعة تكوين رؤية نقدية جديدة على مجمل آثاره، ويمكنني القول من خلال هذه التجربة النقدية المتواضعة إن عناية المؤرخ المشكورة الرائدة بتاريخ بلاده قد خالطها شيء ملحوظ من العاطفة والتسرع؛ فجانبه الصواب في بعض المواضع.
2ـ محمد الطيب الاشهب (؟): مؤرخ راوية جامع لأشتات تاريخية متنوعة. ولم تتح لي - مع الأسف - معايشة طويلة لآثاره التي أصبحت نادرة التداول. وقد تبدو عليها غلبة (الجمع) على (المنهج) وقد يستغني الباحثون اليوم عن (نقوله) من المصادر المعروفة بالعودة إلى أًصولها، ولكن (إفادته الذاتية المعاصرة) مهمة جدا وقمينة بالتقدير والمتابعة. فقد عدت أخيراً – على سبيل المثال – إلى كتابه المعروف (برقة العربية أمس واليوم) القاهرة 1947، وأفدت كثيراً من شهادته القيمة عن الأضرار التي تعرضت لها (مكتبة الكفرة) الغنية بمخطوطاتها خلال الغزو الإيطالي الغاشم سنة (1347هـ/ 1930) واقتبستها (وثيقة) كاملة؛ لا غنية عنها، في مساهمتي البحثية عن (المخطوطات) ضمن كتاب (معالم الحضارة الإسلامية في ليبيا) المشار إليه أعلاه. وأرجو أخيراً أن تنال آثاره ما تستحقه من عنايةٍ بالنشر العلمي والدراسة النقدية.
3ـ مصطفى عبد الله بعيو (1921).
4ـ محمد مصطفى بازامه (1923).
5ـ علي مصطفى المصراتي ( 1926).
6ـ خليفة محمد التليسي (1930).
أمَا هؤلاء الأساتذة الإجلاء ؛ فهم (أربعة من كبار المثقفين الذين يمثلون الجيل الثاني من مؤرخي ليبيا في القرن العشرين، وهو جيل ما بين الحربين العالميتين، وقد ولدوا جميعا في العقد الثالث من ذلك القرن .. ونحتت تلك المرحلة القاسية ملامح شخصياتهم العصامية الجادة التي اضطلعت بأعباء نضالها الثقافي، وواكبوا في مطلع شبابهم أحلام المجتمع الليبي في كيانه الوطني الحر. وتعددت مصادر تكوينهم وألوان عطائهم العلمي، وساهموا جميعاً في إغناء المكتبة الليبية بأعمالهم التاريخية المنوعة التي شملت الدراسة، والتحقيق، والترجمة، وذلك فضلاً عن مجمل آثارهم الثقافية الاخرى). وهذا ما ذكرته في مستهل الجلسة الافتتاحية لندوة المؤرخ بازامه التي نظمها مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية سنة (2002).
وقد سعدت بمعرفة الأستاذ بعيو في (المهرجان العلمي الموسع لافتتاح المركز) في الشهر الأخير من سنة (1978) واقتربت منه، وشرفني بزيارة بيتي فيما بعد صحبة الأخ الفاضل العالم الأديب الدكتور محمد مسعود جبران، كما زرته في بيته بتونس عندما كان يعمل خبيرا في (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) والتقيت به عدة مرات وجلست أصغي إليه هنا وهناك خلال تلك السنوات، فشدَني ـ على وجه الخصوص ـ وهج ذاكرته المزدحمة بالتفاصيل الغزيرة عن تاريخ بلاده؛ وكأنَه كان ينهل من ذلك الفضاء المصدري الرحب الذي ارتاده في عمله الببليوجرافي المشروح الموسع (المختار في مراجع تاريخ ليبيا). ويبدو لي جلياً أنَ ذهنيته التاريخية الثرية أكبرمن آثاره المنشورة المعروفة للدارسين .
ومن أطرف ما سمعته منه حديثه عن مخطوطة (أنيس النفوس وخندريس الكؤوس) للكاتب الأديب التونسي أحمد القليبي (نزيل طرابلس في السنوات الأخيرة من العهد القرمانلي) ومن المرجح لديَ أنَ هذه المخطوطة تضم بعض رسائل القليبي التي كان يحررها في طرابلس وتونس إلى بعض أصدقائه؛ فقد وقفت على بعض أصولها ضمن (مجموعة أسرة الفقيه حسن الوثائقية) الثرية التي آلت أخيرا إلى المركز، وفي بعضها إشارة تفيد أنَها (نقلت في الكنش) وأغلب الظن أنَ المراد به ذلك المخطوط الذي استعاره الأستاذ بعيو من الأستاذ أحمد الفقيه حسن ـ رحمهما الله تعالى ـ وظل لديه، إلا أنَني لم أتمكن من الاطلاع عليه. ولا يفوتني هنا أن أذكر أيضا أنَ هذا الأثر المخطوط ـ الذي يعدُ من وثائق التواصل الثقافي والاجتماعي بين ليبيا وتونس في تلك الفترة ـ كان كذلك ضمن المصادر المحلية المخطوطة التي عاد إليها دي أغسطيني (أو بالأحرى فريق عمله المصاحب) في كتابه (سكان ليبيا) .
ومن المتوقع لديَ ـ دون أن أجزم بما سيذكر ـ أن يكون في هذه المخطوطة بعض الإفادات عن مسألة مقتل الرحالة الإنجليزي (الكسندر جوردن لنج) في تنبكتو سنة (1826) التي اتهم فيها القنصل الفرنسي بالاستيلاء على وثائقه بمساعدة حسونة الدغيس (وزير الشؤون الخارجية آنذاك). وقد تطورت هذه الأحداث إلى قضية سياسية ساخنة بين إيالة طرابلس وإنجلترا وفرنسا .. الخ؛ ولعل الأستاذ بعيو استعار هذه المخطوطة لمتابعة المسألة السياسية المذكورة وصداها في المصادرالمحلية ـ مثلا ـ وهو الذي عني بها وبغيرها من المسائل التاريخية العديدة من خلال قراءاته الدراسية الواسعة في كتابه (المختار)؛ إذ أنَه ـ فيما أرى ـ لم يكن من المعنيين بمتابعة المخطوطات عامة لذاتها، ولا من المعنيين بدراسة التاريخ الثقافي في فضائه التقليدي في تلك الفترة؛ وهوما تميز به ـ على وجه الخصوص ـ معاصره ورفيقه في هذا الجيل من المؤرخين المؤسسين الأوائل الأستاذ على مصطفى المصراتي.
كما سررت أخيرا في مستهل هذه السنة (2008) بلقاء الأخوين الفاضلين: ابنه الأستاذ تميم مصطفى بعيو، وابن أخيه الدكتور عبد الله أبو القاسم بعيو، وأحسست من خلالهما بعناية الأسرة الكريمة بمكتبته ونشر بقية آثاره، وعلمت منهما كذلك أنَ المركز سينشر أيضا مخطوطة الجزء الرابع من عمله القيم (المختار) المذكور أعلاه. ويبدو لي ـ وفاء لذكرى هذا المؤرخ الكبير ـ أنَ الطريقة المثلى لخدمة هذا الأثر القيم لا تقتصر على نشر الجزء الرابع منه الذي لا يزال مخطوطا فقط ؛ وإنما ينبغي إصدار الكتاب بأجزائه الأربعة في مجلد واحد متقن مع ضرورة إلحاقه بكل الفهارس والكشافات اللازمة: (للأعلام، والأماكن والبلدان، والمؤسسات، والجماعات، والكتب والمقالات وما إليها من المطبوعات، والمسائل التاريخية والمصطلحات / أو بالأحرى الفهارس الشاملة لكل ما يفرزه النصُ ـ أيُ نصٍ ثريٍ ـ من تجلياته وفيض عطائه)؛ وهي الطبعة النفيسة الجادة التي تزيده قيمة وبهاء. وسيغدو الأستاذ بعيو في الغد القريب ـ بإذن الله تعالى ـ موضع عناية الدارسين في ندوة علمية / أو أطروحة جامعية .
أمَا الأستاذ بازامه فلم يتح لي ـ مع الأسف ـ أن أعرفه عن كثب، ولم ألتق به إلا مرتين في لقاءين عابرين، كان أحدهما ـ إن لم تخني الذاكرة ـ في إحدى الجلسات العلمية (لمؤتمر المؤرخ ابن غلبون) الذي نظمه المركز أيضا في أوائل سنة (1981) ولم يكن الأستاذ بازامه مشاركا في هذا المؤتمر، ولكن صادف وجوده بطرابلس فشهد بعض جلساته. وقد عرفت منه في هذا اللقاء القصير أنَ أسماء القبائل وما إليها مدونة بالحروف العربية في الأصل الايطالي لكتاب دي أغسطيني (سكان ليبيا). وكان اللقاء الآخر به لماما في مأتم الأستاذ مصطفى الأسطى؛ شقيق أستاذي محمد الأسطى ـ رحمهما الله تعالى.
كما أتيحت لي منذ بضع سنوات المشاركة في تنظيم (ندوته العلمية) المذكورة أعلاه، بالتعاون مع الأخوين الفاضلين الدكتور سعيد الحنديري والأستاذ سالم الكبتي اللذين كانا أكثر اتصالا بأسرة المؤرخ في بنغازي، وغيرهما من الزملاء الأعزاء في المركز؛ وهي ندوة ثرية شارك فيها أكثر من أربعين باحثا من مختلف الأجيال والتكوينات العلمية. وخلاصة القول إنَ هذا المؤرخ العصامي الذي لم تتجاوز دراسته النظامية المرحلة الابتدائية بعد (سنوات الكتَاب) كان غزير الانتاج، وعني بتاريخ بلاده في مختلف (الموضوعات / والعصور) من القديم إلى المعاصر، واقترب في بعض آثاره من الأدب المعاصر والتراث الشعبي، كما استفاد من معرفته ببعض اللغات الأجنبية، وخاصة الايطالية، فأتاحت له سعة في المصادر، وكان يلجأ إلى طرح الفروض ومناقشتها، والاستفادة من الروايات الشعبية، وقد صرف حيزا ملحوظا من نشاطه العلمي لتاريخ (برقة / بنغازي) الذي عبر مرارا عن ضآلة المدون منه في الأعمال السابقة. وقد عني ـ على سبيل المثال ـ بمسألة (القولوغلية) في ليبيا، وله فيها رأي جديد غير مألوف في عمل لا يزال مخطوطا، وأرجو أن أعود إليه في قراءة نقدية لاحقة ـ بإذن الله تعالى.
وإذا كان الشيخ الطاهر أحمد الزاوي (الأزهريَ / الجدَ المعمم) الذي تتلمذت على بعض آثاره، ولم أره إلا مرة واحدة في زيارة قصيرة بمكتبه؛ فإنَ الأستاذ المصراتي (الأزهريُ / الأبُ المتمرد على جبته) الذي اقتنيت بعض آثاره قبيل لقائه، ثم اقتربت منه وتعلقت، على وجه الخصوص، بأعماله التي آثر بها تاريخنا الثقافي، وأبرزها لديَ كتابه الثري (صحافة ليبيا في نصف قرن) ثم (مؤرخون من ليبيا). ولذلك حررت بحماس بالغ ـ فيما أذكرـ مساهمتي المتواضعة عن هذا الجانب من نشاطه بعنوان (علي مصطفى المصراتي وتاريخ ليبيا الثقافي : تحية ـ وقراءة نقدية) ضمن الملف المخصص له في مجلة (الفصول الأربعة) سنة (1992). وإنني لأرجو أن تكون تلك المساهمة معبرة ـ في حدها الأدنى على الأقل ـ عن تقديري الصادق لجهده ورغبتي الحميمة في اقتفاء أثره.
ويبدو جليا أنَ (ثقافته الأزهرية) قد مكَنته / ودفعته إلى العناية بهذه الموضوعات من التاريخ الثقافي؛ خلافا لسائر مجايليه، وذلك فضلا عما يتصل بها ويقترب منها من الدراسات الأدبية المعاصرة، وفي مقدمتها عنايته بالشاعرين أحمد الشارف وإبراهيم الأسطى عمر، كما شارك في الابداع الأدبي المباشر بعدة مجموعات قصصية.
وقد أكرمني بإهداء العديد من أعماله الدراسية والإبداعية، وأعارني ما شئت من مكتبته الثرية، وكان معي كريما سخيا فأعارني أيضا النسخة المحفوظة بمكتبته من مخطوطة (فتح العليم في مناقب سيدي عبد السلام بن سليم) التي قدَم لها عرضا دراسيا في كتابه (مؤرخون من ليبيا) ومنه انطلقت في عنايتي بهذه المخطوطة وخاتمتها على وجه الخصوص في مساهمتي المتواضعة عن عبد السلام بن عثمان التاجوري وتراجم شيوخه المشار إليها أعلاه.
وقد عرفت الأستاذ التليسي من خلال بعض آثاره أولا قبل أن ألتقي به كذلك، فأقتنيت ـ على سبيل المثال ـ كتابه (بعد القرضابية) في (سبتمبر 1974) وكتابيه المترجمين (ليبيا أثناء العهد العثماني الثاني) و (الرحالة والكشف الجغرافي في ليبيا) بتاريخ (2ـ8ـ 1976) ثم أتيح لي أن أعرفه عن كثب؛ في تلك المحاضرات التاريخية التي ألقاها على المجموعة التأسيسة الأولى لباحثي المركز. وازددت قربا منه ومن نشاطه الثقافي وبقية آثاره التي شدَني منها ـ على وجه الخصوص ـ ذلك العمل السامق الكبير المتقن الذي كان كتاب العمر للمؤرخ المستشرق الايطالي إتوري روسي عن تاريخ (ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911) وقد أهداه الأستاذ التليسي إلى العربية في الثوب البهي القشيب؛ وكأنَه صيغ في العربية رأسا بمزيد من الدقة والعناية.
كما حرصت على تحيته أيضا في الندوة العلمية التي نظمت في بنغازي سنة (2002) احتفاء بكتابه (النفيس من كنوز القواميس) بمساهمة متواضعة بعنوان (تاج العروس بين يدي عالمين ليبيين: من سالم بن راشد البلعزي إلى خليفة محمد التليسي) وهي تحية انطباعية قصيرة؛ تفصح أيضا عن عمق صلة الحياة الثقافية في ليبيا بهذا الأثر اللغوي الكبير للعلامة محمد مرتضى الزبيدي. وقد كان الأستاذ التليسي ـ منذ بدايات نشاطه الثقافي ـ الأديب الناقد / الشاعر الحفيَ دوما بالحياة الأدبية التي أغناها بدراساته، ومختاراته، وترجماته من الآداب العالمية.
وفضلا عما اقتنيته من آثاره أهدى الي كذلك عددا من أعماله اللغوية والأدبية، ورحَب أيضا منذ سنوات عديدة بنشر تجاربي البحثية الأولى المتواضعة بعنوان (آفاق ووثائق في تاريخ ليبيا الحديث) الذي صدر ضمن منشورات (الدارالعربية للكتاب) سنة (1991). كما رشَحني منذ بضع سنين عضوا مراسلا (بمجمع اللغة العربية) مع الأخ الفاضل المبجل الدكتور محمد مسعود جبران، وأرجو أخيرا أن أكون عند حسن ظنه الكريم.
ولئن كان الأستاذان الراحلان بعيو/ وبازامه أكثر انصرافا للدراسات التاريخية غالبا؛ إشباعا لميولهما الشخصية؛ فإنَ الأستاذين الجليلين المصراتي/ والتليسي كانا ولا يزالان أكثر تنوعا في عطائهما، وهما اليوم ـ فيما أرى ـ (شيخا حياتنا الثقافية المعاصرة) في فضائها الموسع، وتبدو آثارهما جلية في فروع عديدة، ويطيب لي أن أذكر بكل امتنان أنَني مدين لهما بالكثير من الفضل الذي ظللت أستشعره في حدبهما الأبوي العلمي النبيل.
7 ـ محمد عبد الرزاق مناع (1930): لم تتح لي الفرصة، مع الأسف، لمعرفة هذا الكاتب المؤرخ العصامي الذي جمع بين العمل الصحفي، والعناية ببعض اللغات الأجنبية، والرحلات، والدراسات التاريخية… وقد تبين لي من خلال النظر في رفوف مكتبتي المتواضعة أنَني اقتنيت نسخة من كتابه (الصحراء الليبية مصدر أقدم الحضارات ) الصادر في طبعته الثانية عن دار مكتبة الفكر بطرابلس سنة (1972) من الجناح الليبي في معرض القاهرة للكتاب بتاريخ (30 يناير1975) وقد كنت طالبا بجامعة الأزهر آنذاك. (وهذه عادة توثيقية حرصت عليها منذ سنوات عديدة ـ كما ترى ـ بتدوين مكان/ وتاريخ الشراء على صفحة الغلاف الداخلي من كل كتاب أشتريه ـ غالبا ـ يوم شرائه). كما يبدو من خلال بعض الخواطر الانطباعية الموجزة المدونة بظهر الصفحة الأخيرة من الكتاب أنَني قرأته في اليوم التالي بشيء من الحماس، غير أنَ صلتي ـ فيما أذكرـ لم تدم طويلا مع بقية آثاره.
8 ـ محمد عبد الكريم الوافي (1936) : أمَا هذا المؤرخ الجامعي الجليل فقد كان نسيج وحده في الجمع بين الترجمة الرصينة، والعناية بتحقيقها وتأثيل نصوصها بأمهات المصادر العربية؛ وهو ما حرصت على التنويه به في ندوة تكريمه بالمركز أيضا سنة (2005) في تحية بعنوان (الدكتور محمد عبد الكريم الوافي مؤرخا / محققا). وذلك فضلا عن بقية آثاره الأصيلة في التاريخ الحديث والمعاصر، ومنهج البحث التاريخي. ومثلما اتجه أولئك المؤرخون المؤسسون الاوائل إلى الانجليزية والايطالية بالدراسة والترجمة، كانت وجهته إلى الفرنسية على وجه الخصوص، فنقل منها على النحو المحقق المذكور بعض الآثار القيمة التي سدت جوانب مهمة من حاجات المكتبة التاريخية في القديم والحديث. ويذكر له القراء والدارسون بامتنان بالغ صادق جهده ـ على سبيل المثال ـ في عمليه القيمين المنقولين عن هذه اللغة : (الحوليات الليبية) و(الحوليات التونسية) اللذين أشاعا سابغ فضله وجميل ذكره.
ويطيب لي إجلالا لشخصه المبجل لديَ جدا، وجهده الدؤوب، وعطائه المستفيض، أن أقول دائما إنَه قد آثر ـ فيما أرى ـ حياة (التصوف الثقافي) ـ إذا صحَ هذا التعبير ـ الذي يستغرق أعماق نفسه، ويجعله فيما عداه من الزاهدين ! وكثيرا ما يطيب لي أن أرنو، في هذه المنزلة أيضا، إلى نموذجين آخرين قريبين من نفسي وأجلهما مثله، وهما المؤرخ الجامعي الجليل الدكتورأبو القاسم سعد الله (في الجزائرالشقيقة) والمؤرخ العلامة النبيل محمد المنوني ـ رحمه الله تعالى ـ (في المغرب الشقيق).
* أغسطيني ـ الدجاني ـ فؤاد شكري ـ زيادة ـ وأي اسم آخر ترى فيه رأيا .. هذه أسماء غير ليبية لها أثر في كتابة تاريخ ليبيا … ماذا تعني لك هذه الأسماء وللتاريخ في ليبيا ؟
- تذكرنا هذه الأسماء أولا بمسألة أو مصطلح (المنظور التاريخي) الذي أشرت إليه أعلاه. وأولها ـ كما ترى ـ من شريحة (الآخر) أما البقية فهم من المؤرخين (الشركاء) في الانتماء التاريخي / الحضاري؛ ولذلك يمكن القول ابتداء إنَ المنطلقات/ والأهداف مختلفة بين الطرفين. وسأخص كل واحد ـ وربما نماذج أخرى ـ بإشارة موجزة، وفق التسلسل التاريخي الأثير غالبا.
1ـ دي أغسطيني: لم يكن أغسطيني من الآخر/ البسيط المحايد على الأقل، وإنما كان من الآخر/ المركَب المستعمر العسكري الواغل الدخيل، وقد عرف في المكتبة الليبية بكتابه (سكان ليبيا) الذي نقله الأستاذ التليسي إلى العربية بجزئيه: (سكان طرابلس الغرب ـ 1917) و (سكان برقة ـ 1922) كما أصدر الدكتور إبراهيم المهدوي ترجمة أخرى للجزء الثاني منه خاصة، وهوكتاب معروف متداول في الأوساط الشعبية أيضا لصبغته الاجتماعية الظاهرة.
وقد أشار الأستاذ التليسي إلى مجمل الظروف والملابسات التي أحاطت بتأليفه، وإلى أنَ دي أغسطيني قد استعان، في إطار عمله الرسمي في مكتب الدراسات، بعدد من المساعدين وأبرزهم المؤرخ الليبي/ العثماني المخضرم إسماعيل كمالي (1883 ـ 1936) الذي سبق أولا إلى إصدار دراسة موجزة عن سكان طرابلس بالايطالية سنة (1916) كما وصف أخيرا بأنَه أفضل العارفين بتاريخ بلاده. ومجمل هذه المعطيات تدفع إلى المزيد من التساؤل: إلى أيِ حد تصح نسبة تأليف الكتاب إلى دي أغسطيني (وحده) بالمعنى المهني الدقيق للكلمة ؟.
ومن الجلي أولا أنه كان ـ مع علمه ونشاطه المذكورين له ـ أدنى إلى طبيعة مهنته، ولم يكن من العلماء المستشرقين من جهة، وأن (حقل الدراسة) محلي/ شاسع/ شامل للغرب والجنوب والشرق، وجل أو كل (مصادرها) محلية عربية من جهة أخرى. وقد دوِنت أسماء القبائل وفروعها بالحروف العربية في الأصل الايطالي نفسه، كما تقدم في إشارة الأستاذ بازامه أعلاه. فهل يتأتى له مع كل هذه (المفارقات) أن يكون (المؤلف الفعلي) لهذا العمل الكبير في ذلك الظرف الوجيز/ العصيب، أم أنَه في واقع الامر لا يعدو كونه (جامع الكتاب) كما وصفه الأستاذ التليسي، أو (مشرفا / أو محررا) بحكم منصبه.
ويبدو أخيرا أنَ مجمل هذه المعطيات لا تزال تدفع أيضا إلى مزيد من البحث والتقصي؛ من خلال وثائق الأرشيف والمطبوعات الصادرة آنذاك، عن ظروف (نشأة النص) والموقع الحقيقي لدي أغسطيني في هذا العمل (بين التأليف والتحبير/ والإشراف والتحرير).
أمَا من جهة المحتوى؛ فإنَه بغض النظرعن (الدوافع الاستعمارية المشبوهة) التي كانت وراء إنجاز الكتاب آنذاك من جهة، وما يمكن أن يكون بين صفحاته من (الأخطاء والهنات) من جهة أخرى، يظل الكتاب منطلقا صالحا (للدراسات الوطنية النقدية لمسألة السكان) ومن الجلي أن هذه الغاية المثلى قد كانت وراء ذلك الجهد المشكور الذي بذله الأستاذان المترجمان الفاضلان؛ لإتاحة الفرصة للاطلاع / والاضطلاع بالتكملة والتصحيح وإنجاز الدراسات النقدية.
2 ـ محمد فؤاد شكري : لم يكن لي في واقع الأمرـ مع الأسف ـ تواصل يذكرمع آثارهذا المؤرخ العربي/ المشرقي المرموق عامة؛ وآثاره المتصلة بتاريخ ليبيا الحديث والمعاصر(في القرنين 19 ـ 20) على وجه الخصوص. وقد عرف لدينا بكتابيه الشهيرين (السنوسية دين ودولة) و (ميلاد دولة ليبيا الحديثة: وثائق تحريرها واستقلالها/ الجزء الأول 1945ـ1947). وقد يكون في وثائقه ومكتبته ما يتصل بتاريخنا المعاصرعلى وجه الخصوص.
3 ـ نقولا زيادة : لم يكن لي كذلك ـ مع الأسف ـ كثير اطلاع أومتابعة لآثار هذا المؤرخ العربي / المشرقي المرموق الذي جمع في نتاجه العلمي/ وعمله المهني بين التاريخ الوسيط والحديث والمعاصر، وخصَ ليبيا ببضعة أعمال (بين التأليف/ والترجمة) من جهوده، وجلها ـ على قلتها ـ يعود إلى التاريخ المعاصر (القرن العشرين) وربما كان ذلك وراء انصرافي عنها إلى غيرها من الكتب والدوريات التي أجد فيها غالبا ما يغذي اهتماماتي المحدودة المتواضعة بالقرون السابقة من تاريخنا الحديث. ولا يفوتني في هذا السياق أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى الأخ الفاضل الباحث الدؤوب الدكتورفرج نجم الذي خصَ هذا المؤرخ الكبيرـ مع بضعة مؤرخين آخرين ـ بتلك اللقاءات التوثيقية القيمة وجمعها في كتابه (حوارات تاريخية) الصادر في القاهرة سنة (2005). ولعله أدَى بذلك ـ مشكورا ـ بعض الدين نحو هؤلاء المؤرخين الأجلاء الذين آثروا تاريخنا ببعض جهودهم.
4 ـ أحمد صدقي الدجاني: يعدُ الدكتورأحمد صدقي الدجاني ـ رحمه الله تعالى ـ من أبرز المؤرخين العرب المعاصرين الذين عنوا بتاريخ ليبيا الحديث (في أواخرالعهد العثماني) إذ قدر له أن يكون ذلك موضوعا أثيرا لدراساته العليا في مرحلتي الماجستير(1963) والدكتوراه (1970) معا، وكانت كلتاهما في كلية الآداب/ بجامعة القاهرة. وكان بحثه الأول عن (الحركة السنوسية: نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر) وكانت أطروحة الدكتوراه بعنوان (ليبيا قبيل الاحتلال الايطالي/ أو طرابلس الغرب في أواخر العهد العثماني) . ومن الجلي أن َ مثل هذه التجربة البحثية المزدوجة تستغرق من صاحبها جهدا كبيرا، وتقتطف من العمرقدرا ملحوظا من سنوات حيويته وعطائه . كما أردف هذين العملين ببضعة أعمال أخرى يغلب عليها الطابع الوثائقي؛ وكأنها من متعلقات أطروحته السابقة وسأعود إلى بعض شجونها أدناه.
وقد نشرت أعماله إثرإنجازها منذ سنو
تشرين الأول 19th, 2008 كتبها المختار الجدال نشر في , لقاء,
حوار مع عمار جحيدر الباحث بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية - الجزء الأول

نلتقي مع أحد أبرز الباحثين في تاريخ ليبيا، الباحث بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، وعضو هيأة التدريس بجامعة الفاتح، كلية التربية، قسم التاريخ، الأستاذ عمار جحيدر.
* عمارجحيدر في سطور .. نبذة عن حياته الشخصية والتعليمية والمؤلفات والبحوث .. المهام التي كلفت بها .. المؤتمرات والندوات.
- بسم الله أبدأ وبه أستعين. أودُ أن أتوجه أولا بجزيل الشكروالتقدير لشخصكم الكريم، ولصحيفة (قورينا) الموقرة وصفحتها التاريخية المعنية بشؤون/ وشجون هذا الفضاء الثقافي الذي يزداد رحابة، ويستقطب العديد من القراء والمعنيين، والباحثين والدارسين من تخصصات قريبة مجاورة، وربما أحيانا من حقول علمية بعيدة؛ وذلك مما يؤكد شعبية المعرفة التاريخية، واتصالها المطَرد بشرائح واسعة متباينة من النسيج الاجتماعي. ومثل ما تقوم حياة الفرد على (الذاكرة الذاتية) يحرص المجتمع والشعب والأمة على رصيد (الذاكرة الجماعية) التي توثق التجربة البشرية في شتى مظاهرها؛ وهو ما يعنى به اليوم المفهوم الحقيقي لعلم التاريخ .. الخ. ويطيب لي أن أجيب على أسئلتكم المختارة بمزيد من العناية والتقدير، والله وليُ التوفيق.
سبق أن ألحقت السيرة التعليمية / البحثية بآخر كتابي (مصادر دراسة الحياة الفكرية في ليبيا في العهد القرمانلي 1123ـ1251هـ/1711ـ1835م) الصادرعن مركزجهاد الليبيين للدراسات التاريخية، سنة 2003. غيرأَنني أفضل في هذا المقام أن أشير بإيجاز إلى مجمل المراحل في تجربتي المتواضعة على النحو التالي:
1ـ كانت الدراسة الابتدائية في (مدرسة أبي الأشهر) بمسقط رأسي (تاجوراء) خلال السنوات (1961ـ1967).
2ـ ثم قدِر لي بخيار من والدي، وربما اقترح ذلك أوأعانه عليه أحد أصدقائه وهو الشيخ سالم جروش ـ رحمهما الله تعالى ـ أن أتحوَل إلى الدراسة في (معهد أحمد باشا الديني) بحيِ (الظهرة) المعروف في طرابلس خلال السنوات (1967ـ1972) وهو ما يعني بالضرورة تحولا مبكرا إلى الدراسة الأدبية / والارتباط بالتراث. وقد استفدت من هذه المرحلة في التحصيل اللغوي على وجه الخصوص، ولا زلت أذكر إقبالي بشغف على كتاب (قطر الندى وبلُ الصدى) لابن هشام الذي تميَز بالسلاسة. كما بدأت قراءاتي الثقافية الأولى المتواضعة خلال هذه السنوات، وتعلَقت كثيرا بثراء تلك الرفوف العديدة في (المركز الثقافي المصري) بشارع عمرالمختار، ولا زلت أحتفظ ببطاقة الاشتراك فيه للاستعارة، وهي صادرة في مستهل سنة (1971). كما لا زلت أذكر بعض الكتب، في طبعاتها القديمة، لبعض أعلام الكتاب والأدباء التي وجدتها هناك؛ ومنها ـ على سبيل المثال ـ كتاب العقاد: (سعد زغلول: سيرة وتحية).
3ـ ثم تلتها سنوات الدراسة (بجامعة الأزهر) في القاهرة (1972ـ1977) التي آثرت منها (كلية اللغة العربية/ شعبة التاريخ والحضارة) وربما كان ذلك نزوعا إلى (الأدب) ودنوًا من آفاقه، وقد كنت محبا للشعر…في حين اتجه جلُ الزملاء الأزهريين آنذاك إلى (كلية الشريعة والقانون) وهم اليوم ـ بحمد الله تعالى ـ من خيرة رجال القضاء والمحاماة والشؤون القانونية. وكانت تلك المرحلة أكثرعمقا من سابقتها بالطبع، وأكثرانفتاحا على القراءات الأدبية/ الثقافية، مع ما تتيحه القاهرة من مورد خصب لاقتناء الكتب والمجلات، ما بين جديد المطابع ودورالنشرومعارض الكتاب، والمطبوعات القديمة بسورالأزهروالأكشاك المجاورة وغيرها من المظان؛ ومن هناك بدأت ـ آنذاك ـ تقميش مكتبتي الصغيرة المتواضعة التي آثرتها أخيرا بأفضل ركن في منزلي؛ رعيا لحرمة الكتاب، ولا زلت ـ بحمد الله تعالى ـ أجد فيها ما أقرأ وأعود إليه، وأقضي فيها جل وقتي الرضيِ المتاح.
4ـ ثم قدِرلي كذلك أن ألتحق (بمركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي) منذ تأسيسه، وأباشر بداية عملي به في مستهل سنة (1978) ضمن المجموعة التأسيسية الأولى لباحثيه. وكانت سنوات المركزـ ولا تزال ممتدة ـ تجربة بحثية ثرية تعلَمت منها الكثير. وكان (قدري الثقافي) كامنا في تلك الزيارة المبكرة التي صحبت فيها الأخوة الأفاضل: الدكتور محمد الطاهر الجراري، والدكتور عماد الدين غانم، وأستاذي المؤرخ الراحل الأستاذ محمد الأسطى، إلى منزل الأستاذ علي الفقيه حسن ـ رحمهما الله تعالى ـ للتفاوض في شراء مخطوطة (اليوميات الليبية) التي دوَنها جدٌه المؤرخ الأهليُ الحضري الحصيف حسن الفقيه حسن في القرن التاسع عشر. فقد بادرت فورا إلى طلب الانضمام إلى الأستاذ الأسطى في العناية بهذه المخطوطة الفريدة، وقادني ذلك إلى الجمع بين (الوثائق والمخطوطات موضوعيا / والعهد العثماني زمنيا) في حين واصل الاخوة الزملاء الباحثون الأفاضل، في تلك المجموعة التأسيسية، عنايتهم المطردة (بحركة الجهاد الليبي) وما ارتبط بها من ضرورات العمل الميداني والعناية القصوى الثرية بمسألة (التاريخ الشفوي) وهم اليوم ـ بفضل الله تعالى ـ من خيرة المتخصصين العارفين بهذه الفترة النضالية من تاريخنا المعاصر.
وإلى جانب التجربة المطولة مع مخطوطة (اليوميات الليبية) استفدت في المركز أيضا من تجربة العمل الميداني مع إخوتي الأعزاء في (فريق الوثائق والمخطوطات) الذي كانت له خصوصية حركته في هذا السياق، ومن آفاق الندوات العديدة التي شهدتها وساهمت في بعضها؛ في المركز/ وبعض المدن الليبية (غدامس، زليتن، أوجلة، المرج، سبها) وبعض البلاد العربية الشقيقة التي زرتها وأفدت من بعض خزائن مخطوطاتها أيضا (حلب، دمشق، دبي، المدينة المنورة، مكة المكرمة، القاهرة، تونس، الجزائر، الرباط، تطوان، الدارالبيضاء، فاس).
وكان الدرس الكبير الذي أخذته من الأخ الكريم الدكتورمحمد الطاهرالجراري نابعا من سعة أفقه، ورحابة صدره؛ بمنح حرية الحركة، وحق الاختيار، والمبادرة، وخلاف الرأي الذي لا يفسد للود قضية كما يقال، ولا أذكرأنه تدخل في كتاب، أو مجلة، أوندوة علمية .. في سياقها الإجرائي الذي كلفت به، مع اضطلاعه بتيسيرالسبل من خلال مسؤوليته الادارية.
5ـ وأتيحت لي أخيرا، بعد بضع عشرة سنة من العمل المتصل بالمركز، فرصة الايفاد لمواصلة الدراسة العليا (لمرحلة الماجستير) في (كلية الآداب / بجامعة استانبول) خلال السنوات (1992 ـ 1996) ومع أنني بدأتها في نحو الأربعين من العمر، فقد كانت تلك السنوات غنية ممتعة ـ رغم شقائها ـ بتجربتها الدراسية الجديدة التي أتاحت لي المزيد المزيد من مقاربة المصادرالغزيرة لتاريخ العهد العثماني، وقد أحببت هذه السنوات ولخصتها في عبارة موجزة: (إستانبول جنَة الباحثين)! غير أنني ظللت هناك أيضا لصيقا بهاجس (اليوميات الليبية) حريصا على مواصلة العناية بالجزء الثاني منها الذي كان بين يديَ آنذاك.
6ـ بعد العودة إلى المركزومواصلة العمل به من جديد، أتيح لي أيضا أن ألتحق بالعمل في (مجمع اللغة العربية) الموقراستجابة لدعوة الأستاذ الجليل الدكتورعلي فهمي خشيم (الأمين العام للمجمع) إذ كلفت (بمكتب الدراسات والتراث) هناك، وظللت به سنتين كاملتين خلال (005ـ2007) سعدت فيهما بتجربة أفق بحثي آخر يغذِي تلك النزعة اللغوية القديمة المتواضعة؛ فأشرفت على نشر العددين الثالث (2005) والرابع (2006) من (حولية المجمع) وساهمت في تنظيم ندوته السنوية (2006) وكانت عن (اللهجة الليبية في فضائها العربي الأوسط بين المشرق المغرب/ الحلقة الأولى: الفصيح المتداول في اللهجة الليبية ـ دراسات تأصيلية مقارنة بين المدن والأرياف والبوادي) وقد صدرت أعمالها في جزءين ضمن منشورات المجمع سنة (2007). ثم اضطررت للعودة إلى المركز لتراكم ما بذمتي من التزامات بحثية/ إجرائية، ولكن صلتي بالمجمع ظلَت متصلة بصفة (عضومراسل) منذ بضع سنوات، وأسأل الله تعالى أن أفي بواجبي نحو هذا المجمع العلميِ الموقر.
وفي هذه المراحل المتتالية بين (طرابلس/ والقاهرة/ وإستانبول) مع بعض الزيارات إلى مدن أخرى، كانت لي هذه التجربة الدراسية/ البحثية المتواضعة، في حدود ما تتيحه آفاقها المذكورة التي قادتني أولا (إلى التخصص الأدبي/ ثم إلى التاريخ والحضارة/ ثم إلى مزيد من الارتباط المهني بالعهد العثماني) خلال هذه السنوات العديدة التي أحسُ أحيانا بأنني لم أستثمرها كما كان ينبغي أن تستثمر، وأن بعض الزمن قد أفلت مني وذهب سدى! وأسأل الله تعالى مزيدا من الصبر، والعزم، وبركة الوقت، في الأيام الباقية.
* مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية. لماذا جهاد ؟ وكيف تقيِم إنجازات المركز منذ إنشائه ؟
ـ مركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي.
ـ مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي.
ـ مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية.
تعددت الأسماء (!) والبيت واحد.
ولماذا جهاد ؟ يبدو جلياً أن هذا التركيز الملحوظ على (فترة الجهاد) في اسم المؤسسة البحثية/ ومحتوى نشاطها العلميِ معا، كان تنويها بالغا بأهمية هذه المرحلة النضالية من تاريخنا المعاصر التي لم تنل ما تستحقه، قبل ذاك، من عناية عملية ودراسة موضوعية وإنصاف.
هذا صحيح؛ ولكن المجتمع الليبي كان في حاجة/ ويتطلع أيضا إلى مؤسسة بحثية تعنى بالدراسة والتوثيق لكل مراحل تاريخنا الوطني بأبعاده الشاملة: (السياسية/ الاجتماعية/ الثقافية/ والاقتصادية) في فضائها القديم/ والعربي الاسلامي حتى اليوم. ولذلك يمكننا أن نلاحظ هنا ـ على سبيل المثال ـ أنَ المركز قد سعى منذ البدية إلى شراء مخطوطة (اليوميات الليبية) وتحقيقها في نفس الفترة التي بدأ فيها جمع التاريخ الشفوي ودراسة حركة الجهاد الليبي المجيدة، وذلك فضلا عن نشاطه المطر
شباط 19th, 2008 كتبها المختار الجدال نشر في , لقاء,











