بدايات التحرك السياسي في طرابلس الغرب
في العهد العثماني الثاني
د. محمد الكوني بالحاج
د. محمد الكوني الحاج
المتتبع لبدايات العمل السياسي يدرك أن الأهالي بالولاية يحسّون بالخطر، ولاسيما في هذه المرحلة بالذات حيث إن المنطقة سبق وأن ابتليت بالاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، ثم بتونس عام 1881، ثم الاستيلاء الفرنسي على تشاد والنيجر جنوب الولاية، ثم الاحتلال الإنكليزي لمصر عام 1882. وبذلك أصبحت الولاية معزولة، ويحيط بها الخطر الأوروبي وخاصة الإيطالي، والذي بدأت ملامحه تبدو بالسيطرة على بعض الموارد الاقتصادية للولاية من خلال افتتاح ( مصرف روما )، وإقامة العديد من المصانع لزيادة نشاطها الاقتصادي، وكذلك نشاطها الثقافي من خلال افتتاح المدارس وإصدار الصحف التي تعتبر البوق المسلط لتمرير ما ترغب فيه، إضافة إلى ذلك النشاط المكثف للبعثات الأوروبية ذات الصبغة الدينية والتعليمية والخيرية بالولاية.
تفيدنا مراسلات المكلف بالشؤون القنصلية الفرنسية في تونس بتاريخ 19 ابريل 1876 بأنه: " من حين لآخر تدور تكهنات مفادها أن أولاد صالح الذين يمثلون عرشاً صغيراً ـ وهم يمثلون جزءاً من المثاليث ـ أعلنوا أنهم مستعدون للزحف على الجزائر لنجدة إخوانهم هناك. وقد حدد هذا الزحف ببداية موسم الحصاد، وهنالك معلومات أخرى وردت إلينا تذكر أنه سوف ينضم للمجموعة ما قوامه خمسة عشر ألفاً من الفرسان، وألفان من المشاة من منطقة طرابلس يليهم مقاتلون آخرون، وذلك لاستعادة الجزائر من (الفرنسيين ). ولا شك أن الرخاء والنعمة التي يتمتع بها السكان هنالك خلال السنوات الماضية نتيجة تلاحق سنوات الوفرة وازدياد الإنتاج والمحاصيل الجيدة مكنت الأهالي من الاستقلال".
تثبت هذه المراسلات واقع شعور الليبيين حيال إخوانهم في بلاد المغرب العربي، وأنهم كانوا دوماً على استعداد لنجدة إخوانهم في الجزائر وغيرها، وفي الواقع لم يكن هذا الشعور قصراً على الليبيين وحدهم. بل إن سائر أبناء الشمال الأفريقي يشتركون في ذلك، فبعد احتلال الجزائر بحوالي خمسين سنة لم ينس هؤلاء جميعاً أن ما يهدد بلداً يهدد أيضاً البلد المجاور، ويلاحظ أيضاً من جهة أخرى أنه رغم قلة وبطء المواصلات فإن المسافات الطويلة لم تمنع تنقل كل أنواع الأخبار والمعلومات بين الشعوب.
وعلى أثر احتلال فرنسا لتونس حدث صدى كبير بين الأهالي حيث تجاوبوا مع أشقائهم في محنتهم، وشعروا بالخطر على مقربة منهم، وصدرت عنهم ردود فعل غاضبة، فشهدت الولاية " قيام مظاهرات ضد الروم" الأوروبيين تعبيراً عن هذا التجاوب وطالبوا بمد يد العون لتونس، وفي محاولة لتهدئة الوضع المتفاقم أمرت الولاية رئيس بلدية طرابلس أحمد النائب للسفر إلى تونس في مهمة رسمية، للوقوف عن الوضع هناك، وذلك لما يتمتع به النائب من ثقة الأهالي، وحسّ وطني غيور، وهنا برزت على السطح مشكلة الهاربين من ضغط الاحتلال الفرنسي، وتوجههم إلى الولاية طلباً للأمان والمساعدة من أشقائهم وبالتالي تتابع جهادهم معاً ضد الاحتلال، إلا أن السلطات العثمانية نتيجة لتدفق أعداد هائلة ما يزيد عن مائتي ألف مهاجر قد شعرت بأن هذا سوف يحرجها مع فرنسا من ناحية، ويحتاجون إلى صرف مساعدات هائلة من ناحية أخرى، وبذلك عملت الحكومة العثمانية التخلص من هذا العبء الثقيل بتشجيع المهاجرين على العودة إلى ديارهم أو توطينهم بعيداً عن مناطق الحدود حتى لا يكون لديهم مجال لجهاد الفرنسيين والاحتكاك بهم.
اتفقت هذه السياسة العثمانية مع سياسة فرنسا تجاه هؤلاء المهاجرين التي تولى تنفيذها في طرابلس القنصل الفرنسي" لاكو".
ومن المهم الإشارة إلى أن الأهالي بالولاية اتخذوا موقفاً مخالفاً لكل من موقف الدولة العثمانية وفرنسا، حيث أُحسِنَ استقبال هؤلاء المهاجرين، وشجع على استمرارهم في الجهاد ضد المحتل الفرنسي، مطالباً الدولة العثمانية بدعمهم، معتبراً أن بقاء المهاجرين في طرابلس بمثابة عدم اعتراف الدولة العثمانية بفقدان تونس وبعزمها على استعادتها وتحريرها من الاحتلال الفرنسي. وقد برز هذا جلياً أثناء محاكمة أول تنظيم سياسي بالولاية حيث أفاد أحد أفراد هذا التنظيم من خلال التحقيق معه شعوره نحو إرجاع التونسيين المهاجرين إلى موطنهم وهو إبراهيم سراج فقال:" كما إني لا أعلم ماذا أراد حكام طرابلس أن يكتب أهل الديانة في كتبهم، والمؤرخون في كتبهم، ماذا يقول أهل السياسة، فهل أرادوا أن يقول أهل الديانة أن الله فرض الهجرة على التونسيين وأن حكام طرابلس منعوها، وأرجعوهم، أم هل أرادوا أن يقول المؤرخون أن التونسيين استغاثوا بالدولة العلية في سنة كذا، وأنها أرجعتهم بعد أن أساءت حالهم، وأنها لم تسع أدنى سعي في راحتهم وإلا لما رجعوا. أم أرادوا أن يقول السياسيون أن بعض رجال الدولة العلية الذين كانوا سبباً في رجوع التونسيين قد خفي عليهم إن بقاء التونسيين في طرابلس بمنزلة بقاء تونس تحت يدها، وأن رجوعهم بمنزلة ذهاب طرابلس والعياذ بالله. ومن المعلوم أن التونسيين لما كانوا مقيمين في طرابلس كانوا يعدّون أنفسهم من أول عساكر الدولة العلية الصادقين، وكانوا يتمنون أن تدربهم على السلاح الجديد بالكيفية التي تريحها وتريحهم". كان هذا هو المنطق الشعبي تجاه إخوانهم، حيث أحيت الشعور الوطني، وكان من مصلحة الحكومة مسايرة هذا الشعور، وهنا تصاعدت ردود الفعل الغاضبة ضد الفرنسيين حيث تم قتل رئيس إرسالية الآباء البيض التابعة للكاردينال" لافيجري" بغدامس عام 1881.
وعلى أثر ضرب مدينة الإسكندرية واحتلال الإنكليز لمصر عام 1882، ازداد الغضب في نفوس الأهالي، وسيطرت على الجاليات الأوروبية حالة من الفزع، فأسرعوا إلى النزوح من طرابلس، ولجأ قسم منهم إلى جزيرة مالطا لمراقبة تطور الأوضاع من هناك، وقامت مظاهرات غاضبة، وتمت مداهمة بعض متاجر الأوروبيين. وفر الأجانب من مدينة بنغازي أيضاً نتيجة لحالة الغليان العامة بين الأهالي، ثم عادت الحالة إل
المزيد