قراءة في كتاب
كتبهاالمختار الجدال ، في 26 كانون الأول 2007 الساعة: 03:13 ص

الحلقة الرابعة:
ننشر هنا قراءة لكتاب الدكتور فرج نجم الذي عنونه – سير الأجداد بين الابتلاء والغبن والتخوين الشارف باشا الغرياني أنموذجاً .وسوف أتناول الكتاب سرداً دون تحليل حيث إن الكتاب في أصله تحليل لبعض المواقف التاريخية .
الشارف الغرياني مجاهداً …
في هذه الحلقة نستعرض ماكتبه د. فرج عن جهاد الشارف الغرياني فيقول : بعدما داهمت إيطاليا ليبيا واحتلت سواحلها، انضم الشارف الغرياني إلى ركب المجاهدين كأحد المستشارين والوجهاء من أصحاب الرأي المعدودين، حتى أصبح أحد هيئة أركان قيادة جيش السيد أحمد الشريف في جهادهم ضد الطليان التي ضمت بالإضافة إليه كل من أحمد بن إدريس ومحمد الدروقي وحسن بسيكري وحسين كويري وعلي العابدية وأحمد المدني. وعندما رجع إدريس السنوسي إلى برقة بعد قضاء فريضة الحج سنة 1915م كان الشيخ الشارف الغرياني من بين الوجهاء الذين استقبلوه عند معبر السلوم، وكان على رأس المستقبلين محمد الرضا السنوسي في ركب من 70 مجاهداً ساروا معه حتى وصلوا إجدابيا العاصمة السياسية آنذاك.
ومن ثم ليصبح الشارف باشا وكيلاً لإدريس السنوسي يقوم بالمهام الحساسة التي تستدعي الثقة والجدارة التي أنيط بها الشارف ليشرف على استلام الذخائر والأسلحة من الإيطاليين ضمن الاتفاقات التي عقدها إدريس مع الطليان، وإنشاء مراكز أمنية على الحدود وخطوط التماس لضبط سلامة هذه المراكز والمواطنين.
الشارف وسيدي عمر والمفاوضات …
التقى وفاوض الشيخ الرمز عمر المختار الطليان، وهذا ما أعلى كعبه عن غيره هو ثقته بنفسه، ورجاله، وقضيته، مقرونة بمرونة وبراغماتية افتقدها كثير من قادة الجهاد، فعلى الرغم من أن عمر المختار قاتل الطليان باستبسال فلم يجد ضيراً في مصافحة العدو والتفاوض معهم، حتى أن الدكتور وهبي البوري كتب عن مفاوضات سيدي ارحومة سنة 1929م: "انتهى الاجتماع (سيدي ارحومة) بصورة ودّية وتبادل الطرفان الهدايا فقد وزّع بادوليو ساعات ذهبية على مساعدي عمر المختار وأهدى (عمر المختار) الأخير جواداً عربياً أصيلاً إلى بادوليو وأخذت الصور التذكارية للمفاوضين يتوسطهم عمر المختار وبادوليو وقد نشرتها مجلة اللطائف المصورة في وقته". وهذا لم يقتصر على هؤلاء فقط بل حتى على السيد أحمد الشريف الذي كان يقود خط عدم المهادنة أو الصلح مع العدو، وهو صاحب المقولة المشهورة "لن افرط في الأرض ما مقداره مربط حصاني"، وكقوله "ربما اشرب الخمر قبل أن أجلس مع الطليان على مائدة المفاوضات"، ولكن عندما نزلت به النوازل، وحلت برجاله البلايا، وبلغ به الضيق والموت مبالغ، يقول الأمير شكيب ارسلان أن السيد أحمد قرر في نفسه الصلح مع الإنجليز الذين حاربهم، ولكنه سرعان ما عدل عن ذلك، ودعا لهم بالهداية حين قال: فنسأل الله تعالى أن يغدق في قلوبهم إكرام الإسلام ومحبة أهله.
الشارف باشا مرافقاً لأدريس السنوسي …
هذا وقد اتخذ إدريس السنوسي الشيخ الشارف وكيلاً له وأحد مستشاريه المقربين والمخلصين، وقد رافق الشارف إدريس في رحلته الرسمية إلى روما في أوائل ديسمبر 1920م، وكان في طليعة تلك الحاشية إبراهيم الشلحي، وعدد من كبار الشخصيات كالعلامة عبد العزيز العيساوي، وعبد القادر فركاش، وعمرمنصور الكيخيا، وعلي العابدية، وحميدة المحجوب، ومحمد الفزاني، وحسين بوخضره. ولكن سرعان ما نكثت إيطاليا عهدها - كما هي عادتها - فاضطر إدريس السنوسي للجوء إلى مصر في ديسمبر 1922م. والمصادر التي في متناولنا أغفلت تماماً تفاصيل سيرة الشيخ الشارف الغرياني من البداية حتى سنة 1923م، كما أغفلت سيرة الشيخ عمر المختار الذي نعرف ما نعرفه عنه بعد توليه قيادة الأدوار فيما عرف بترتيبات هيئة الجبل إثر انهيار حكومة إجدابيا التي ترأسها إدريس السنوسي الذي ترك البلد للاستقرار في مصر حتى رجوعه نهائياً إلى أرض الوطن في يوليو 1946. علماً بأن إدريس دخل برقة أول مرة بعد هجرته الطويلة التي دامت 22 عاماً في يوليو 1944م. وحينما رجع من منفاه كان الشيخ الشارف في طليعة من لقيه في مدينة البيضاء، وطلب إدريس منه البقاء معه عسى أن يُحتاج إلى مشورته، ولكن اعتذر الشارف لتقدمه في السن واعتلال صحته.
خلاف الشارف الغرياني مع ادريس السنوسي…
ينقل البعض أن بداية الخلاف بين إدريس السنوسي والشارف ترجع إلى حقبة بداية العشرينيات، حين قام بعض الوشاة بالاتصال بإدريس وأعلموه بأن الشارف الغرياني أصبح له مكانة مرموقة بين الناس وأنه ينوي التآمر أو الالتفاف عليه، فأصدر ادريس أمراً بالقبض على الشارف، وتم سجنه في بئر بمدينة إجدابيا، ولكن مجموعة من الوجهاء اتصلوا بإدريس وأكدوا له بأن ما يقوم به الشارف هو من أجل مصلحة الوطن والمواطنين، وأن ما وصله من أخبار هي مكيدة دبرها أعداءه، فأمر على الفور بإطلاق سراحه، وأعتذر له عن ذلك، وتمت المصالحة، ولكن هذه الحادثة أثرت في مواقف الشارف السياسية.
وهذه الرواية على علتها قد تكررت على مسامعي، فقد ذكر لي بعض آل الكزة أنه حز رحيل السيد أحمد الشريف في أنفس القوم، فاتفقت مجموعة من شيوخ ووجهاء العواقير وعلى رأسهم سليمان رقرق وخليل بومصطفى بوشنيف وعمر الأصفر وآخرون من المغاربة والبراعصة والعبيدات وغيرهم، تغيير القيادة الممثلة في شخص إدريس بعد استيائهم من أدائه وعدم امتلاكه الحضور والوجاهة التي كان يتمتع بها السيد أحمد، وقرر الجميع على أن يزيحوا إدريس ولا يبقوه حاكماً عليهم، وقالوا: نختار رجل من بيننا وقالوا فلنختار رجل من عيت الكزة.
علم إدريس بذلك وما سيترتب عليها من شق الصفوف، فاعتقل الرجال بما فيهم الشيخ سليمان رقرق، فعلم الشيخ عبد السلام الكزة بذلك وكان حينها في مهمة من قبل إدريس إلى الشريف حسين - شريف مكة - وأقلقه ما فعله ادريس بالرجال الذين حبسهم في حقفة (كهف)، وحاول بعض الناس التوسط بينه والرجال فقال إدريس: يكتبوا لي ورقة يعترفون بجرمهم، وأنا سأطلق سراحهم.
وعندما عُرض الأمر على سليمان رقرق - وإن كان الرجل غير متعلم ولكنه كان يتمتع بذكاء فطري وذهن حاد - فقال الشيخ سليمان: إذا ما كتبتم له ورقة، واعترفتم، ووقعتموها، فسيعرضها على الناس، فيقول له الناس أنت لك الحق في التصرف بهم، فسيضرب أعناقكم، وأضاف وقال: لا تعترفوا أو توقعوا شيئاً، وزامن ذلك رجوع عبد السلام الكزة من شرقة (المشرق). فقال عبد السلام لإدريس: والله إذا ما أعدمت هؤلاء الرجال ستنقلب عليك برقة، لأنهم علية القوم ورؤوسهم، ولكن اقترح عليك أن يعترفوا أمامك شفهياً وأنت تعفوا عنهم، وبالفعل عرض عبد السلام عليهم ذلك فاعترفوا وعفا ادريس عنهم، وبذلك جُنبت برقة فتنة لا يعرف إلا الله تعالى نهايتها.
من هذه الحادثة انفك العواقير من حول إدريس، وعن الجهاد المتمثل في الحركة السنوسية باستثناء قلائل كعبد الحميد العبار الذي بقى مخلصاً للسنوسية في شخص قيادتها الجديدة المتمثلة في إدريس، فعلى سبيل المثال انشق عمر الأصفر، فحدث بينه وبين المحافظية (المجاهدين) ما أدى إلى قتله على أيديهم فيما بعد، وقد سبق أن عمر الأصفر تم نقله من طرف الحكومة الإيطالية إلى الكفرة نتيجة خلافات بينه وبين أبناء العمومة، ولكن تدخل البعض منهم حين طلبوا من الشارف الغرياني التدخل لدى السلطات الإيطالية، وبالفعل قام الشارف الغرياني بالعمل على نقل عمر الأصفر إلى قمينس.
هذا واستمرت بعض بيوتات العواقير في القتال كعيت الكزة والعبار ورقرق في بيت سديدي أما بيت إبراهيم فاستمر منهم عيت اللواطي وحسن متمثلين في عيت النمر والبلعزي والحيص وغيرهم من عيت حسن.
هؤلاء هم بعض من استمر في الجهاد من العواقير بمثابرة حتى 1928م، ومن بعدها بدأت القوة تخور، والإمدادات تنحسر، فضعف الناس، واصبح لا جدوى ولا طائلة من القتال بل أصبحت العملية الجهادية ضرب من الانتحار لا أكثر، فكان أمام الناس خياران لا ثالث لهما إما الهجرة أو التسليم، فمن كان عنده جهد ومقدرة قرر المواصلة بالهجرة، أما المغلوبين على أمرهم قرروا التسليم ودخلوا المعتقلات.
تاريخ الإيطاليون في ليبيا حافل بالأكاذيب والافتراءات على الأجداد وفي تصانيفهم للتاريخ آنذاك، فزعم بعضهم بأن عثمان العنيزي كانت له باندة أسموها بباندة العواقير، وهذا لم نسمع أحد قد ردده في برقة، حتى الباندات التي مرت بالبلاد كانت تعرف بزعمائها وليست قبائلها وهذه دلالة على أنها حالات فردية كباندة عاكف والقريتلي والكردي والزاوي وغيرها، ولكن أسوأ من ذلك كذبهم على الشيخ عمر المختار نفسه، فلقد كتب غراتسياني نفسه ينسب الاستسلام للشيخ عمر المختار لإيطاليا وسلطانها استسلاماً تاماً على حسب ما ذكره في إعلان مزعوم للشيخ الشهيد في قوله لهم:
لا تنادوني بالعاصي (ويقصد عمر المختار)، فإنه لم يسبق لي قط قبل اليوم أن استسلمت للحكومة، بل إنني قاتلتها دائماً لأن ديني يأمرني بذلك. واليوم أستسلم مع كل من معي. ومنذ اليوم يجب أن يرين على برقة السلام المطلق الكامل. وعلى جميعهم أن يطيعوا حكومة إيطاليا الشرعية. تجولوا كما شئتم وحلوا الدوريات وألغوا الحصون لأنها أشياء لم تعد إليها حاجة في برقة، إذ لم تعد هناك في برقة حرب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قراءة في كتاب | السمات:قراءة في كتاب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أغسطس 28th, 2009 at 28 أغسطس 2009 2:57 م
رحم الله المجاهد سليمان رقرق العمروني الذي افنى عمره هو وابناء عمومته من العمارنه في الجهاد