الهوية الليبية
كتبهاالمختار الجدال ، في 3 كانون الثاني 2012 الساعة: 05:37 ص
الهوية مفهوم يميز المجتمعات البشرية بخصوصيات ضيقة وخاصة جداً قد لا تتشابه في مجتمع آخر ، وربما تجتمع بعض المجتمعات تحت هوية واحدة عامة . فالدين شكل عند عدد من المجتمعات البشرية الهوية التي وحدتهم بقبول الدين بلا .. كيف ولماذا ؟ مع اختلاف القوميات والبيئات الطبيعية المحلية المختلفة . ومثلما وحد الدين الهوية وحدت اللغة الهوية كعنصر أساسي للاختلاف في الهويات بين الشعوب والقوميات المختلفة .
فالهوية تتشكل وفق مجموعة من الصفات والظواهر والملامح تجتمع فيها وتؤثر فيها فالبيئة الجغرافية بتنوعاتها المختلفة والمناخ بكل صورة والدين بمنظومة القيم التي تشكل سلوك وأنظمة فكر الجماعات ولغاتهم التي تجتمع فيها الأفكار والمشاعر والرموز ووسائل انتقالها عبر الأجيال المتعاقبة، كما إنه لا يمكننا أن نستبعد التراث الذي يشكل عهدة حضارية وثقافية تتكون من التاريخ والجغرافيا والمناخ والدين واللغة .
ففي ما يخص الهوية الليبية التي تكونت عند الليبيين مع قيام الدولة الوطنية عام 1951م بشكل الدولة المتعارف عليه " إقليم – شعب – حكومة " نجد في الهوية المكونات الأساسية والخصوصية الليبية الضيقة جدا والتي ميزت الليبيين عن غيرهم من الشعوب المجاورة.
فالمكون الإسلامي أساسي في الهوية الليبية وكذلك اللغة والموقع الجغرافي الذي يجمع ليبيا مع الدول العربية الإسلامية المجاورة لها والتي تجمعها حدود جغرافية رسمت في نهاية القرن التاسع عشر عندما تم ضبط الحدود عند طرفي المركزين الحضاريين المجاورين " تونس ومصر" خلال الفترة الاستعمارية للبلدين، تونس عام 1881 ومصر 1882 .
أما الحدود الجنوبية النيجر وتشاد فقد خطها الفرنسيين بعد هزيمة الحركة السنوسية عام 1902 في حرب الصحراء التي خاضتها الحركة ضد الاستعمار الفرنسي في المنطقة مع نهاية القرن التاسع عشر وفي الآن نفسه خُطت الحدود مع الجزائر .
هذا الأمر جعل من الليبيين يحسون بالانتماء الجغرافي والسياسي وظهر ذلك واضحاً عند بداية الغزو الإيطالي لليبيا وانسحاب الدولة العثمانية بموجب اتفاقية أوشي لوزان عام 1912م بالرغم من أن كل الليبيين الذين خرجوا لمواجهة القوات الإيطالية كانت عقيدتهم في الجهاد الدفاع عن الإسلام متمثلاً في دولة الخلافة الإسلامية التي يعتقدون بأنهم يشكلون جزء منها ولم يكونوا يعرفون كيان أسمه ليبيا.
وعندما أعلن عن تأسيس الجمهورية الطرابلسية في الجزء الغربي من ليبيا عام 1918م أعلنت رداً عن تخلي الدولة العثمانية عن المجاهدين، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والتي كانت طرفا فيها .
إلا أن الجهاد ضد الإيطاليين كان سبباً مباشراً في بداية تكون الهوية الليبية الواحدة عام 1920م عندما أعلن شيخ الطريقة السنوسية الأمير إدريس السنوسي عن إقامة الإمارة السنوسية أو ما عرف بحكومة اجدابيا وأنظم إليها قادة حركة الجهاد في طرابلس بإعلان البيعة التي نقلها المجاهد بشير السعداوي والذي كان له دوره المميز في الإعلان عنها .
إذن من خلال ما سبق نلاحظ إن المكون الجغرافي والدين واللغة والجهاد ضد الغزو الإيطالي كان سببا في تكون الهوية الليبية بالإضافة إلى البيئة الصحراوية التي جعلت من التعاون فرض عين على الجميع حتى وإن كان من أجل البقاء لا غير، ناهيك عن الدورة الزراعية التي تعتمد على سقوط المطر المتذبذب من سنة لأخرى وهذا ما جعل السكان دائمي الترحال، مما كون أحساس لدى الأفراد والقبائل بالجغرافيا والنطاق الجغرافي وبالتالي الإحساس بالوطن .
وهذا الأمر يظهر جليا في المدن والقرى الساحلية التي امتهنت الزراعة البسيطة المستقرة التي تعتمد على استخراج المياه السطحية الشحيحة بواسطة الحيوانات واستخدامها استخداما محدودا، في الوقت الذي استمرت فيه مهنة تربية الحيوانات وبأعداد محدودة أيضا في النطاق الذي توفرت فيه مراعي فقيرة في سهل الجفارة وجبل نفوسة وجنوبي الجبل الأخضر.
لقد شكلت المساحة الجغرافية التي تعرف بليبيا حاليا معبراً للقوافل من الغرب إلي الشرق ومن الشمال إلى الجنوب وبالعكس وهو ما جعل بعض السكان يمتهنون مهنة قيادة القوافل التجارية وحراستها ومرافقتها ونشأة طرقا تجارية تكونت على امتدادها بعض المدن الصحراوية التي كانت تقدم الخدمات للقوافل التجارية واستقر بها بعض السكان .
ولكني أعتقد أن تشكل الهوية الليبية بشكلها الحالي بدأ فعلياً مع إعلان الأمم المتحدة استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م وقيام المملكة الليبية بولاياتها الثلاث طرابلس وبرقة وفزان وهو الأمر الذي أراه نتاج لمجهود بذل من العديد من مثقفي ليبيا وساستها وشيوخ قبائلها المختلفة الذين قرروا وحدة هذا الجزء من العالم في الوقت الذي كان هناك الكثير من الجهود التي وقفت في وجه قيام هذا الكيان.
كما إن الدولة الوطنية في ليبيا ولدت أساسا للتحدي الذي ظهر من الليبيين نتيجة التنافس الاستعماري خلال الحرب العالمية الثانية بين الدول المتحاربة وبداية ما درج على تسميته فيما بعد بالحرب الباردة وموقع ليبيا الاستراتيجي والحيوي لمصالح الدول المنتصرة في الحرب.
يقول المؤرخ المعروف "جاك روماني" في موضوع ميلاد دولة ليبيا الوطنية الحديثة " هكذا كانت دولة ليبيا المستقلة حديثاً نتاجاً لشراكة مترددة بين ميراثين سياسيين متمايزين الجمهورية الطرابلسية والإمارة السنوسية وكلاهما يمكن أن يعود إليه شرف تحقيق إنجازات مهمة فالأمارة السنوسية أدخلت ليبيا إلى آليات الدولة والمكتسبات الدبلوماسية والجمهورية مثلت أبكر محاولة لاستقلال أصيل . وسعت للحفاظ عليه بالرغم من الخصومات الدولية والعداء الاستعماري وهي التي حاولت انتزاع ما يمكن وصفه بأكثر التنازلات ليبرالية من القوة الاستعمارية وأطلقت محاولة السعي نحو الوحدة الوطنية "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























