لقاء
كتبهاالمختار الجدال ، في 27 تشرين الأول 2008 الساعة: 17:25 م
حوار مع الاستاذ عمار جحيدر الباحث بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية - الجزء الثاني
* التليسي ـ المصراتي ـ النائب ـ بازامة - بعيو - مناع ـ الوافي ـ الأشهب: أسماء ليبية كتبت في التاريخ، لا أقول ما تقييمك لهذه الأسماء، ولكن ماذا تعني لك وللتاريخ في ليبيا؟
- سؤال لطيف أثير محبب إلى النفس حقا. ولكنني أودُ أن أستأذنكم في هذا الترتيب الاجرائي أولا. وفقا لتواريخ الميلاد، مراعاة للنسق التاريخي المعتاد في توالي الاجيال. وقد شدَني هذا الهاجس المنهجي منذ عدة سنوات، وأعني ضرورة ترتيب (الأعلام المعاصرين) على وجه الخصوص، وفقا لتواريخ ميلادهم، إذ أن ذلك أكثر دقة وضبطا واستفادة من سياق التسلسل الزمني؛ ولا معنى اليوم - فيما أرى - لترتيب الأعلام على الحروف مع وجود الفهارس والكشافات الحديثة التي يمكن أن تلحق بكل أثر عند نشره؛ خلافا للآثار القديمة التي كانت ترتب فيها التراجم على الحروف قبل ظهور الفهارس للضرورة.
وقد حرصت على تطبيق هذا الاجراء المنهجي الأثير - وأعني ترتيب الأعلام المحدثين / المعاصرين على تاريخ الميلاد - صحبة الأخ الفاضل العالم الأديب الدكتور عبدالحميد عبد الله الهرامة في كتابنا المشترك (الشعر الليبي في القرن العشرين: قصائد مختارة لمئة شاعر) الصادرعن دار الكتاب الجديد في بيروت سنة 2001. وليس غريبا أن يرتب الشعراء المعاصرون، ونصوصهم المختارة أيضا، على هذا النسق الزمني للوقوف على تطور (القول الشعري) وهو من صميم تاريخنا الثقافي، في هذا الفضاء الأدبي خلال قرن على سبيل المثال؛ ونرجو أن يكون ذلك مفيدا لنظرات القراء والنقاد. ولا يصح في النظر السليم اليوم أن نعرف (الحفيد إبراهيم) مثلا؛ لأنَه في حرف الهمزة، قبل (الجد يوسف) لأنَه في حرف الياء. كما استوقفتني أخيرا ذات يوم غير بعيد في كتاب (وفيات الأعيان) لابن خلكان؛ وهو من أشهر كتب التراجم، إشارة المؤلف في مقدمته الى أنَه وجد ترتيبه على حروف المعجم أيسر منه على السنين، ليكون أسهل للتناول، مع أنَ ذلك يفضي إلى (تأخير المتقدم وتقديم المتأخر في العصر).
وعلى هذا النسق الاجرائي الأثير ينبغي اليوم ترتيب هؤلاء المؤرخين الليبيين المحدثين/ المعاصرين على النحو التالي مراعاة للتسلسل الزمني:
النائب (1848) - الاشهب (؟) – بعيو (1921) - بازامه (1923) - المصراتي (1926) - التليسي (1930) - مناع (1930) - الوافي (1936).
ويطيب لي أن أعبر أولا عن تقديري العميق لهم جميعا؛ وقد تتلمذت على عطائهم وجل آثارهم القيمة العديدة، وسعدت بالقرب من بعضهم، ومن دعمهم النبيل وأبوتهم العلمية الكريمة على المستوى الشخصي، وهم على المستوى التاريخي قبل ذلك رموز ثقافية جليلة أكبر عطاءهم العلمي وتجاربهم الثرية الغزيرة؛ وأود أن أخصهم بالاشارات الموجزة التالية:
1ـ أحمد النائب الانصاري (1848): مؤرخ وجيه من الأعيان، بادر الى العناية بتاريخ بلاده بشقيه: السياسى (في الاحداث والوقائع) والثقافي (في التراجم) وحرص على تقديم جهده مبكرا الى المطبعة؛ فكان كتابه (المنهل العذب) من بواكير المطبوعات في المكتبة الليبية. وقد عدَه الأستاذ التليسي في شهادته المعاصرة التي قدَمها إلى ندوة المؤرخ نفسه (بالمركز سنة 1999) المحطة الثانية للوعي بالكيان ـ بعد ابن غلبون ـ في حين جعل المحطة الثالثة مقتسمة بين رمزين آخرين مختلفين؛ وهما الشيخ الزاوي ممثلا للدراسات التقليدية، والأستاذ بعيو رائدا للدراسات التاريخية المنهجية الجديدة.
وقد عنيت - على وجه الخصوص- بسيرة المؤرخ أحمد النائب الانصاري الموزعة على عدة مراحل (بين طرابلس، واستانبول، وبلاد الشام) ومجمل آثاره التي تشمل أيضا (الجزء الثاني من المنهل العذب) وكتابه الآخر (نفحات النسرين) الذين نشرا أخيرا بعد وفاته. وأتاحت لي هذه المتابعة تكوين رؤية نقدية جديدة على مجمل آثاره، ويمكنني القول من خلال هذه التجربة النقدية المتواضعة إن عناية المؤرخ المشكورة الرائدة بتاريخ بلاده قد خالطها شيء ملحوظ من العاطفة والتسرع؛ فجانبه الصواب في بعض المواضع.
2ـ محمد الطيب الاشهب (؟): مؤرخ راوية جامع لأشتات تاريخية متنوعة. ولم تتح لي - مع الأسف - معايشة طويلة لآثاره التي أصبحت نادرة التداول. وقد تبدو عليها غلبة (الجمع) على (المنهج) وقد يستغني الباحثون اليوم عن (نقوله) من المصادر المعروفة بالعودة إلى أًصولها، ولكن (إفادته الذاتية المعاصرة) مهمة جدا وقمينة بالتقدير والمتابعة. فقد عدت أخيراً – على سبيل المثال – إلى كتابه المعروف (برقة العربية أمس واليوم) القاهرة 1947، وأفدت كثيراً من شهادته القيمة عن الأضرار التي تعرضت لها (مكتبة الكفرة) الغنية بمخطوطاتها خلال الغزو الإيطالي الغاشم سنة (1347هـ/ 1930) واقتبستها (وثيقة) كاملة؛ لا غنية عنها، في مساهمتي البحثية عن (المخطوطات) ضمن كتاب (معالم الحضارة الإسلامية في ليبيا) المشار إليه أعلاه. وأرجو أخيراً أن تنال آثاره ما تستحقه من عنايةٍ بالنشر العلمي والدراسة النقدية.
3ـ مصطفى عبد الله بعيو (1921).
4ـ محمد مصطفى بازامه (1923).
5ـ علي مصطفى المصراتي ( 1926).
6ـ خليفة محمد التليسي (1930).
أمَا هؤلاء الأساتذة الإجلاء ؛ فهم (أربعة من كبار المثقفين الذين يمثلون الجيل الثاني من مؤرخي ليبيا في القرن العشرين، وهو جيل ما بين الحربين العالميتين، وقد ولدوا جميعا في العقد الثالث من ذلك القرن .. ونحتت تلك المرحلة القاسية ملامح شخصياتهم العصامية الجادة التي اضطلعت بأعباء نضالها الثقافي، وواكبوا في مطلع شبابهم أحلام المجتمع الليبي في كيانه الوطني الحر. وتعددت مصادر تكوينهم وألوان عطائهم العلمي، وساهموا جميعاً في إغناء المكتبة الليبية بأعمالهم التاريخية المنوعة التي شملت الدراسة، والتحقيق، والترجمة، وذلك فضلاً عن مجمل آثارهم الثقافية الاخرى). وهذا ما ذكرته في مستهل الجلسة الافتتاحية لندوة المؤرخ بازامه التي نظمها مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية سنة (2002).
وقد سعدت بمعرفة الأستاذ بعيو في (المهرجان العلمي الموسع لافتتاح المركز) في الشهر الأخير من سنة (1978) واقتربت منه، وشرفني بزيارة بيتي فيما بعد صحبة الأخ الفاضل العالم الأديب الدكتور محمد مسعود جبران، كما زرته في بيته بتونس عندما كان يعمل خبيرا في (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) والتقيت به عدة مرات وجلست أصغي إليه هنا وهناك خلال تلك السنوات، فشدَني ـ على وجه الخصوص ـ وهج ذاكرته المزدحمة بالتفاصيل الغزيرة عن تاريخ بلاده؛ وكأنَه كان ينهل من ذلك الفضاء المصدري الرحب الذي ارتاده في عمله الببليوجرافي المشروح الموسع (المختار في مراجع تاريخ ليبيا). ويبدو لي جلياً أنَ ذهنيته التاريخية الثرية أكبرمن آثاره المنشورة المعروفة للدارسين .
ومن أطرف ما سمعته منه حديثه عن مخطوطة (أنيس النفوس وخندريس الكؤوس) للكاتب الأديب التونسي أحمد القليبي (نزيل طرابلس في السنوات الأخيرة من العهد القرمانلي) ومن المرجح لديَ أنَ هذه المخطوطة تضم بعض رسائل القليبي التي كان يحررها في طرابلس وتونس إلى بعض أصدقائه؛ فقد وقفت على بعض أصولها ضمن (مجموعة أسرة الفقيه حسن الوثائقية) الثرية التي آلت أخيرا إلى المركز، وفي بعضها إشارة تفيد أنَها (نقلت في الكنش) وأغلب الظن أنَ المراد به ذلك المخطوط الذي استعاره الأستاذ بعيو من الأستاذ أحمد الفقيه حسن ـ رحمهما الله تعالى ـ وظل لديه، إلا أنَني لم أتمكن من الاطلاع عليه. ولا يفوتني هنا أن أذكر أيضا أنَ هذا الأثر المخطوط ـ الذي يعدُ من وثائق التواصل الثقافي والاجتماعي بين ليبيا وتونس في تلك الفترة ـ كان كذلك ضمن المصادر المحلية المخطوطة التي عاد إليها دي أغسطيني (أو بالأحرى فريق عمله المصاحب) في كتابه (سكان ليبيا) .
ومن المتوقع لديَ ـ دون أن أجزم بما سيذكر ـ أن يكون في هذه المخطوطة بعض الإفادات عن مسألة مقتل الرحالة الإنجليزي (الكسندر جوردن لنج) في تنبكتو سنة (1826) التي اتهم فيها القنصل الفرنسي بالاستيلاء على وثائقه بمساعدة حسونة الدغيس (وزير الشؤون الخارجية آنذاك). وقد تطورت هذه الأحداث إلى قضية سياسية ساخنة بين إيالة طرابلس وإنجلترا وفرنسا .. الخ؛ ولعل الأستاذ بعيو استعار هذه المخطوطة لمتابعة المسألة السياسية المذكورة وصداها في المصادرالمحلية ـ مثلا ـ وهو الذي عني بها وبغيرها من المسائل التاريخية العديدة من خلال قراءاته الدراسية الواسعة في كتابه (المختار)؛ إذ أنَه ـ فيما أرى ـ لم يكن من المعنيين بمتابعة المخطوطات عامة لذاتها، ولا من المعنيين بدراسة التاريخ الثقافي في فضائه التقليدي في تلك الفترة؛ وهوما تميز به ـ على وجه الخصوص ـ معاصره ورفيقه في هذا الجيل من المؤرخين المؤسسين الأوائل الأستاذ على مصطفى المصراتي.
كما سررت أخيرا في مستهل هذه السنة (2008) بلقاء الأخوين الفاضلين: ابنه الأستاذ تميم مصطفى بعيو، وابن أخيه الدكتور عبد الله أبو القاسم بعيو، وأحسست من خلالهما بعناية الأسرة الكريمة بمكتبته ونشر بقية آثاره، وعلمت منهما كذلك أنَ المركز سينشر أيضا مخطوطة الجزء الرابع من عمله القيم (المختار) المذكور أعلاه. ويبدو لي ـ وفاء لذكرى هذا المؤرخ الكبير ـ أنَ الطريقة المثلى لخدمة هذا الأثر القيم لا تقتصر على نشر الجزء الرابع منه الذي لا يزال مخطوطا فقط ؛ وإنما ينبغي إصدار الكتاب بأجزائه الأربعة في مجلد واحد متقن مع ضرورة إلحاقه بكل الفهارس والكشافات اللازمة: (للأعلام، والأماكن والبلدان، والمؤسسات، والجماعات، والكتب والمقالات وما إليها من المطبوعات، والمسائل التاريخية والمصطلحات / أو بالأحرى الفهارس الشاملة لكل ما يفرزه النصُ ـ أيُ نصٍ ثريٍ ـ من تجلياته وفيض عطائه)؛ وهي الطبعة النفيسة الجادة التي تزيده قيمة وبهاء. وسيغدو الأستاذ بعيو في الغد القريب ـ بإذن الله تعالى ـ موضع عناية الدارسين في ندوة علمية / أو أطروحة جامعية .
أمَا الأستاذ بازامه فلم يتح لي ـ مع الأسف ـ أن أعرفه عن كثب، ولم ألتق به إلا مرتين في لقاءين عابرين، كان أحدهما ـ إن لم تخني الذاكرة ـ في إحدى الجلسات العلمية (لمؤتمر المؤرخ ابن غلبون) الذي نظمه المركز أيضا في أوائل سنة (1981) ولم يكن الأستاذ بازامه مشاركا في هذا المؤتمر، ولكن صادف وجوده بطرابلس فشهد بعض جلساته. وقد عرفت منه في هذا اللقاء القصير أنَ أسماء القبائل وما إليها مدونة بالحروف العربية في الأصل الايطالي لكتاب دي أغسطيني (سكان ليبيا). وكان اللقاء الآخر به لماما في مأتم الأستاذ مصطفى الأسطى؛ شقيق أستاذي محمد الأسطى ـ رحمهما الله تعالى.
كما أتيحت لي منذ بضع سنوات المشاركة في تنظيم (ندوته العلمية) المذكورة أعلاه، بالتعاون مع الأخوين الفاضلين الدكتور سعيد الحنديري والأستاذ سالم الكبتي اللذين كانا أكثر اتصالا بأسرة المؤرخ في بنغازي، وغيرهما من الزملاء الأعزاء في المركز؛ وهي ندوة ثرية شارك فيها أكثر من أربعين باحثا من مختلف الأجيال والتكوينات العلمية. وخلاصة القول إنَ هذا المؤرخ العصامي الذي لم تتجاوز دراسته النظامية المرحلة الابتدائية بعد (سنوات الكتَاب) كان غزير الانتاج، وعني بتاريخ بلاده في مختلف (الموضوعات / والعصور) من القديم إلى المعاصر، واقترب في بعض آثاره من الأدب المعاصر والتراث الشعبي، كما استفاد من معرفته ببعض اللغات الأجنبية، وخاصة الايطالية، فأتاحت له سعة في المصادر، وكان يلجأ إلى طرح الفروض ومناقشتها، والاستفادة من الروايات الشعبية، وقد صرف حيزا ملحوظا من نشاطه العلمي لتاريخ (برقة / بنغازي) الذي عبر مرارا عن ضآلة المدون منه في الأعمال السابقة. وقد عني ـ على سبيل المثال ـ بمسألة (القولوغلية) في ليبيا، وله فيها رأي جديد غير مألوف في عمل لا يزال مخطوطا، وأرجو أن أعود إليه في قراءة نقدية لاحقة ـ بإذن الله تعالى.
وإذا كان الشيخ الطاهر أحمد الزاوي (الأزهريَ / الجدَ المعمم) الذي تتلمذت على بعض آثاره، ولم أره إلا مرة واحدة في زيارة قصيرة بمكتبه؛ فإنَ الأستاذ المصراتي (الأزهريُ / الأبُ المتمرد على جبته) الذي اقتنيت بعض آثاره قبيل لقائه، ثم اقتربت منه وتعلقت، على وجه الخصوص، بأعماله التي آثر بها تاريخنا الثقافي، وأبرزها لديَ كتابه الثري (صحافة ليبيا في نصف قرن) ثم (مؤرخون من ليبيا). ولذلك حررت بحماس بالغ ـ فيما أذكرـ مساهمتي المتواضعة عن هذا الجانب من نشاطه بعنوان (علي مصطفى المصراتي وتاريخ ليبيا الثقافي : تحية ـ وقراءة نقدية) ضمن الملف المخصص له في مجلة (الفصول الأربعة) سنة (1992). وإنني لأرجو أن تكون تلك المساهمة معبرة ـ في حدها الأدنى على الأقل ـ عن تقديري الصادق لجهده ورغبتي الحميمة في اقتفاء أثره.
ويبدو جليا أنَ (ثقافته الأزهرية) قد مكَنته / ودفعته إلى العناية بهذه الموضوعات من التاريخ الثقافي؛ خلافا لسائر مجايليه، وذلك فضلا عما يتصل بها ويقترب منها من الدراسات الأدبية المعاصرة، وفي مقدمتها عنايته بالشاعرين أحمد الشارف وإبراهيم الأسطى عمر، كما شارك في الابداع الأدبي المباشر بعدة مجموعات قصصية.
وقد أكرمني بإهداء العديد من أعماله الدراسية والإبداعية، وأعارني ما شئت من مكتبته الثرية، وكان معي كريما سخيا فأعارني أيضا النسخة المحفوظة بمكتبته من مخطوطة (فتح العليم في مناقب سيدي عبد السلام بن سليم) التي قدَم لها عرضا دراسيا في كتابه (مؤرخون من ليبيا) ومنه انطلقت في عنايتي بهذه المخطوطة وخاتمتها على وجه الخصوص في مساهمتي المتواضعة عن عبد السلام بن عثمان التاجوري وتراجم شيوخه المشار إليها أعلاه.
وقد عرفت الأستاذ التليسي من خلال بعض آثاره أولا قبل أن ألتقي به كذلك، فأقتنيت ـ على سبيل المثال ـ كتابه (بعد القرضابية) في (سبتمبر 1974) وكتابيه المترجمين (ليبيا أثناء العهد العثماني الثاني) و (الرحالة والكشف الجغرافي في ليبيا) بتاريخ (2ـ8ـ 1976) ثم أتيح لي أن أعرفه عن كثب؛ في تلك المحاضرات التاريخية التي ألقاها على المجموعة التأسيسة الأولى لباحثي المركز. وازددت قربا منه ومن نشاطه الثقافي وبقية آثاره التي شدَني منها ـ على وجه الخصوص ـ ذلك العمل السامق الكبير المتقن الذي كان كتاب العمر للمؤرخ المستشرق الايطالي إتوري روسي عن تاريخ (ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911) وقد أهداه الأستاذ التليسي إلى العربية في الثوب البهي القشيب؛ وكأنَه صيغ في العربية رأسا بمزيد من الدقة والعناية.
كما حرصت على تحيته أيضا في الندوة العلمية التي نظمت في بنغازي سنة (2002) احتفاء بكتابه (النفيس من كنوز القواميس) بمساهمة متواضعة بعنوان (تاج العروس بين يدي عالمين ليبيين: من سالم بن راشد البلعزي إلى خليفة محمد التليسي) وهي تحية انطباعية قصيرة؛ تفصح أيضا عن عمق صلة الحياة الثقافية في ليبيا بهذا الأثر اللغوي الكبير للعلامة محمد مرتضى الزبيدي. وقد كان الأستاذ التليسي ـ منذ بدايات نشاطه الثقافي ـ الأديب الناقد / الشاعر الحفيَ دوما بالحياة الأدبية التي أغناها بدراساته، ومختاراته، وترجماته من الآداب العالمية.
وفضلا عما اقتنيته من آثاره أهدى الي كذلك عددا من أعماله اللغوية والأدبية، ورحَب أيضا منذ سنوات عديدة بنشر تجاربي البحثية الأولى المتواضعة بعنوان (آفاق ووثائق في تاريخ ليبيا الحديث) الذي صدر ضمن منشورات (الدارالعربية للكتاب) سنة (1991). كما رشَحني منذ بضع سنين عضوا مراسلا (بمجمع اللغة العربية) مع الأخ الفاضل المبجل الدكتور محمد مسعود جبران، وأرجو أخيرا أن أكون عند حسن ظنه الكريم.
ولئن كان الأستاذان الراحلان بعيو/ وبازامه أكثر انصرافا للدراسات التاريخية غالبا؛ إشباعا لميولهما الشخصية؛ فإنَ الأستاذين الجليلين المصراتي/ والتليسي كانا ولا يزالان أكثر تنوعا في عطائهما، وهما اليوم ـ فيما أرى ـ (شيخا حياتنا الثقافية المعاصرة) في فضائها الموسع، وتبدو آثارهما جلية في فروع عديدة، ويطيب لي أن أذكر بكل امتنان أنَني مدين لهما بالكثير من الفضل الذي ظللت أستشعره في حدبهما الأبوي العلمي النبيل.
7 ـ محمد عبد الرزاق مناع (1930): لم تتح لي الفرصة، مع الأسف، لمعرفة هذا الكاتب المؤرخ العصامي الذي جمع بين العمل الصحفي، والعناية ببعض اللغات الأجنبية، والرحلات، والدراسات التاريخية… وقد تبين لي من خلال النظر في رفوف مكتبتي المتواضعة أنَني اقتنيت نسخة من كتابه (الصحراء الليبية مصدر أقدم الحضارات ) الصادر في طبعته الثانية عن دار مكتبة الفكر بطرابلس سنة (1972) من الجناح الليبي في معرض القاهرة للكتاب بتاريخ (30 يناير1975) وقد كنت طالبا بجامعة الأزهر آنذاك. (وهذه عادة توثيقية حرصت عليها منذ سنوات عديدة ـ كما ترى ـ بتدوين مكان/ وتاريخ الشراء على صفحة الغلاف الداخلي من كل كتاب أشتريه ـ غالبا ـ يوم شرائه). كما يبدو من خلال بعض الخواطر الانطباعية الموجزة المدونة بظهر الصفحة الأخيرة من الكتاب أنَني قرأته في اليوم التالي بشيء من الحماس، غير أنَ صلتي ـ فيما أذكرـ لم تدم طويلا مع بقية آثاره.
8 ـ محمد عبد الكريم الوافي (1936) : أمَا هذا المؤرخ الجامعي الجليل فقد كان نسيج وحده في الجمع بين الترجمة الرصينة، والعناية بتحقيقها وتأثيل نصوصها بأمهات المصادر العربية؛ وهو ما حرصت على التنويه به في ندوة تكريمه بالمركز أيضا سنة (2005) في تحية بعنوان (الدكتور محمد عبد الكريم الوافي مؤرخا / محققا). وذلك فضلا عن بقية آثاره الأصيلة في التاريخ الحديث والمعاصر، ومنهج البحث التاريخي. ومثلما اتجه أولئك المؤرخون المؤسسون الاوائل إلى الانجليزية والايطالية بالدراسة والترجمة، كانت وجهته إلى الفرنسية على وجه الخصوص، فنقل منها على النحو المحقق المذكور بعض الآثار القيمة التي سدت جوانب مهمة من حاجات المكتبة التاريخية في القديم والحديث. ويذكر له القراء والدارسون بامتنان بالغ صادق جهده ـ على سبيل المثال ـ في عمليه القيمين المنقولين عن هذه اللغة : (الحوليات الليبية) و(الحوليات التونسية) اللذين أشاعا سابغ فضله وجميل ذكره.
ويطيب لي إجلالا لشخصه المبجل لديَ جدا، وجهده الدؤوب، وعطائه المستفيض، أن أقول دائما إنَه قد آثر ـ فيما أرى ـ حياة (التصوف الثقافي) ـ إذا صحَ هذا التعبير ـ الذي يستغرق أعماق نفسه، ويجعله فيما عداه من الزاهدين ! وكثيرا ما يطيب لي أن أرنو، في هذه المنزلة أيضا، إلى نموذجين آخرين قريبين من نفسي وأجلهما مثله، وهما المؤرخ الجامعي الجليل الدكتورأبو القاسم سعد الله (في الجزائرالشقيقة) والمؤرخ العلامة النبيل محمد المنوني ـ رحمه الله تعالى ـ (في المغرب الشقيق).
* أغسطيني ـ الدجاني ـ فؤاد شكري ـ زيادة ـ وأي اسم آخر ترى فيه رأيا .. هذه أسماء غير ليبية لها أثر في كتابة تاريخ ليبيا … ماذا تعني لك هذه الأسماء وللتاريخ في ليبيا ؟
- تذكرنا هذه الأسماء أولا بمسألة أو مصطلح (المنظور التاريخي) الذي أشرت إليه أعلاه. وأولها ـ كما ترى ـ من شريحة (الآخر) أما البقية فهم من المؤرخين (الشركاء) في الانتماء التاريخي / الحضاري؛ ولذلك يمكن القول ابتداء إنَ المنطلقات/ والأهداف مختلفة بين الطرفين. وسأخص كل واحد ـ وربما نماذج أخرى ـ بإشارة موجزة، وفق التسلسل التاريخي الأثير غالبا.
1ـ دي أغسطيني: لم يكن أغسطيني من الآخر/ البسيط المحايد على الأقل، وإنما كان من الآخر/ المركَب المستعمر العسكري الواغل الدخيل، وقد عرف في المكتبة الليبية بكتابه (سكان ليبيا) الذي نقله الأستاذ التليسي إلى العربية بجزئيه: (سكان طرابلس الغرب ـ 1917) و (سكان برقة ـ 1922) كما أصدر الدكتور إبراهيم المهدوي ترجمة أخرى للجزء الثاني منه خاصة، وهوكتاب معروف متداول في الأوساط الشعبية أيضا لصبغته الاجتماعية الظاهرة.
وقد أشار الأستاذ التليسي إلى مجمل الظروف والملابسات التي أحاطت بتأليفه، وإلى أنَ دي أغسطيني قد استعان، في إطار عمله الرسمي في مكتب الدراسات، بعدد من المساعدين وأبرزهم المؤرخ الليبي/ العثماني المخضرم إسماعيل كمالي (1883 ـ 1936) الذي سبق أولا إلى إصدار دراسة موجزة عن سكان طرابلس بالايطالية سنة (1916) كما وصف أخيرا بأنَه أفضل العارفين بتاريخ بلاده. ومجمل هذه المعطيات تدفع إلى المزيد من التساؤل: إلى أيِ حد تصح نسبة تأليف الكتاب إلى دي أغسطيني (وحده) بالمعنى المهني الدقيق للكلمة ؟.
ومن الجلي أولا أنه كان ـ مع علمه ونشاطه المذكورين له ـ أدنى إلى طبيعة مهنته، ولم يكن من العلماء المستشرقين من جهة، وأن (حقل الدراسة) محلي/ شاسع/ شامل للغرب والجنوب والشرق، وجل أو كل (مصادرها) محلية عربية من جهة أخرى. وقد دوِنت أسماء القبائل وفروعها بالحروف العربية في الأصل الايطالي نفسه، كما تقدم في إشارة الأستاذ بازامه أعلاه. فهل يتأتى له مع كل هذه (المفارقات) أن يكون (المؤلف الفعلي) لهذا العمل الكبير في ذلك الظرف الوجيز/ العصيب، أم أنَه في واقع الامر لا يعدو كونه (جامع الكتاب) كما وصفه الأستاذ التليسي، أو (مشرفا / أو محررا) بحكم منصبه.
ويبدو أخيرا أنَ مجمل هذه المعطيات لا تزال تدفع أيضا إلى مزيد من البحث والتقصي؛ من خلال وثائق الأرشيف والمطبوعات الصادرة آنذاك، عن ظروف (نشأة النص) والموقع الحقيقي لدي أغسطيني في هذا العمل (بين التأليف والتحبير/ والإشراف والتحرير).
أمَا من جهة المحتوى؛ فإنَه بغض النظرعن (الدوافع الاستعمارية المشبوهة) التي كانت وراء إنجاز الكتاب آنذاك من جهة، وما يمكن أن يكون بين صفحاته من (الأخطاء والهنات) من جهة أخرى، يظل الكتاب منطلقا صالحا (للدراسات الوطنية النقدية لمسألة السكان) ومن الجلي أن هذه الغاية المثلى قد كانت وراء ذلك الجهد المشكور الذي بذله الأستاذان المترجمان الفاضلان؛ لإتاحة الفرصة للاطلاع / والاضطلاع بالتكملة والتصحيح وإنجاز الدراسات النقدية.
2 ـ محمد فؤاد شكري : لم يكن لي في واقع الأمرـ مع الأسف ـ تواصل يذكرمع آثارهذا المؤرخ العربي/ المشرقي المرموق عامة؛ وآثاره المتصلة بتاريخ ليبيا الحديث والمعاصر(في القرنين 19 ـ 20) على وجه الخصوص. وقد عرف لدينا بكتابيه الشهيرين (السنوسية دين ودولة) و (ميلاد دولة ليبيا الحديثة: وثائق تحريرها واستقلالها/ الجزء الأول 1945ـ1947). وقد يكون في وثائقه ومكتبته ما يتصل بتاريخنا المعاصرعلى وجه الخصوص.
3 ـ نقولا زيادة : لم يكن لي كذلك ـ مع الأسف ـ كثير اطلاع أومتابعة لآثار هذا المؤرخ العربي / المشرقي المرموق الذي جمع في نتاجه العلمي/ وعمله المهني بين التاريخ الوسيط والحديث والمعاصر، وخصَ ليبيا ببضعة أعمال (بين التأليف/ والترجمة) من جهوده، وجلها ـ على قلتها ـ يعود إلى التاريخ المعاصر (القرن العشرين) وربما كان ذلك وراء انصرافي عنها إلى غيرها من الكتب والدوريات التي أجد فيها غالبا ما يغذي اهتماماتي المحدودة المتواضعة بالقرون السابقة من تاريخنا الحديث. ولا يفوتني في هذا السياق أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى الأخ الفاضل الباحث الدؤوب الدكتورفرج نجم الذي خصَ هذا المؤرخ الكبيرـ مع بضعة مؤرخين آخرين ـ بتلك اللقاءات التوثيقية القيمة وجمعها في كتابه (حوارات تاريخية) الصادر في القاهرة سنة (2005). ولعله أدَى بذلك ـ مشكورا ـ بعض الدين نحو هؤلاء المؤرخين الأجلاء الذين آثروا تاريخنا ببعض جهودهم.
4 ـ أحمد صدقي الدجاني: يعدُ الدكتورأحمد صدقي الدجاني ـ رحمه الله تعالى ـ من أبرز المؤرخين العرب المعاصرين الذين عنوا بتاريخ ليبيا الحديث (في أواخرالعهد العثماني) إذ قدر له أن يكون ذلك موضوعا أثيرا لدراساته العليا في مرحلتي الماجستير(1963) والدكتوراه (1970) معا، وكانت كلتاهما في كلية الآداب/ بجامعة القاهرة. وكان بحثه الأول عن (الحركة السنوسية: نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر) وكانت أطروحة الدكتوراه بعنوان (ليبيا قبيل الاحتلال الايطالي/ أو طرابلس الغرب في أواخر العهد العثماني) . ومن الجلي أن َ مثل هذه التجربة البحثية المزدوجة تستغرق من صاحبها جهدا كبيرا، وتقتطف من العمرقدرا ملحوظا من سنوات حيويته وعطائه . كما أردف هذين العملين ببضعة أعمال أخرى يغلب عليها الطابع الوثائقي؛ وكأنها من متعلقات أطروحته السابقة وسأعود إلى بعض شجونها أدناه.
وقد نشرت أعماله إثرإنجازها منذ سنوات عديدة، ونالت قدرا من الذيوع والانتشار بين القراء والدارسين، وأصبحت من الأدبيات التاريخية الشائعة المعتمدة في المكتبة الليبية. غيرأن الدكتور الدجاني قد شغله فيما بعد ما كان يملأ نفسه قبل ذاك أيضا من هموم وطنه السليب؛ وتحول إلى العمل السياسي والكتابة غالبا في القضايا العربية المعاصرة، وهو دون شك من كبارالمثقفين/ المناضلين السياسيين في صفوف الشعب الفلسطيني الشقيق، فضلا عن مكانته المرموقة أيضا في الفكرالعربي/ الاسلامي المعاصر.
وليس غريبا أنَ يصرفه كل ذلك عن متابعة عنايته السابقة الجادة بتاريخ ليبيا الحديث الذي لم يعد إليه ـ فيما يبدوـ بعد إنجاز أعماله المشار إليها أعلاه، ويقتضي المقام أن أعود إليها هنا ببعض الملاحظات، وقد أفدت منها كثيرا كغيري من الباحثين. ولئن كان الأخ الفاضل الدكتورفرج نجم قد أدى الواجب الأدبي نحوه في حواره المطول معه في كتابه المذكورآنفا، مع جهده الملحوظ أيضا في حفل تأبينه بلندن سنة (2004) فإنَني من زاوية أخرى، ومن منطلق مهنيٍ محض/ في مثل هذا السياق التوثيقي الشفيف، لا يفوتني التنبيه إلى ما أحسست به، منذ عدة سنوات، من مخالفة توثيقية صريحة في إثنين من أعماله التاريخية الأخرى المتعلقة بليبيا.
1ـ وتبدو المخالفة التوثيقية الأولى في ذلك الكتاب الوثائقي القيم الذي شاركه في إنجازه الأستاذ المؤرخ عبد السلام أدهم ( ـ ) رحمه الله تعالى ـ وكان يعمل مديرا ومترجما (بدار المحفوظات التاريخية) كما كان خير عون للدكتورالدجاني نفسه على إنجاز أطروحته؛ بترجمة ما عاد إليه من الوثائق العثمانية، ولكن غلاف الكتاب جاء على النحو التالي: (وثائق تاريخ ليبيا الحديث: الوثائق العثمانية 1881ـ 1911، ترتيب ومراجعة وتقديم الدكتورأحمد صدقي الدجاني، جمع وترجمة الحاج عبد السلام أدهم، منشورات جامعة بنغازي، 1974) كذا ؟! ولا يخفى هنا أنَ ترتيب الاسمين على الغلاف متناقض بشكل صريح صارخ؛ إذ أنَ (الجمع والترجمة) أسبق أثرا وأكثر جهدا من (الترتيب والمراجعة والتقديم) بل يكشف تقديم الكتاب نفسه عن هذا التفاوت في الجهد بجلاء ووضوح (ص 8 ـ 9) وأكتفي هنا بالإشارة إليه عن نقل عبارته.
2ـ أمَا المخالفة الثانية فقد جاءت في كتابه الوثائقي الآخرالذي نشر بالعنوان التالي: (بدايات اليقظة العربية والنضال الشعبي في ليبيا 1882 ـ 1911: وقائع محاكمة أول تنظيم سياسي في ليبيا، إعداد وتقديم الدكتور أحمد صدقي الدجاني، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1977) ؛ إذ شاركه الأستاذ عبد السلام أدهم في إعداد هذا الكتاب أيضا كما جاء في التقديم (ص 7) ولكن الدكتورالدجاني انفرد ـ كما ترى ـ بغلافه ؟!.
على أنَ هذا لا يقلل بالطبع من تقديري العميق لمكانة شخصه ومجمل جهده، ولكن الدقة في التوثيق فوق كل اعتبار ولا تهاون فيها.
وللدكتورالدجاني كتاب آخرأصغرحجما بعنوان (أحاديث عن تاريخ ليبيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) صدر في الستينات عن دار المصراتي للطباعة والنشر (د. ت) وهو يضم عددا من المقالات الخفيفة لغير المتخصصين كما جاء في مقدمته، وقد اقتنيته بطرابلس بتاريخ (13 ـ 7 ـ 1976).
مؤرخون آخرون من المغرب والمشرق :
إلى جانب أولئك المؤرخين من غير الليبيين الذين رأيتم أنَ لهم أثرا في كتابة تاريخ ليبيا …الخ، أودُ الإشارة بإيجاز أيضا إلى بعض المؤرخين العرب الآخرين؛ الذين أحسست بقربهم من آفاق تاريخنا الحديث والمعاصر من جهة، وبصلتي العميقة بهم من جهة أخرى ؛ وهم على النحو التالي:
ـ مؤرخ مغربي (من تونس).
ـ مؤرخ مشرقي (من مصر).
ـ مؤرخ مشرقي (في ليبيا).
1 ـ عبد الجليل التميمي: يعدُ الدكتور عبد الجليل التميمي من أبرز المؤرخين العرب المعاصرين المعنيين بتاريخ الإيالات العثمانية المغربية (الجزائر وطرابلس وتونس) والدراسات العثمانية، وقد خص طرابلس بقسم من أطروحته القيمة للدكتوراه (بحوث ووثائق في التاريخ المغربي 1816 ـ 1871) التي أعدها في (جامعة أكس أون بروفنس) بفرنسا، ونشرت ترجمتها بتونس سنة (1972). وقدم في ذلك القسم من الأطروحة شخصية المثقف/ السياسي حسونة الدغيس (1191ـ 1252هـ/ 1778ـ 1836م) الذي يعدُ أبرز نماذج التحديث الثقافي في إيالة طرابلس في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ إذ كان أكثر المثقفين السياسيين اتصالا بأوربا والفكر الغربي في أواخر العهد القرمانلي، ونقل كتاب (المرآة) لرفيقه حمدان خوجه الجزائري إلى الفرنسية، وصدرت الترجمة في باريس سنة (1833م/ 1249هـ) وانتقل أخيرا إلى استانبول وأسندت إليه مهمة تحرير (النسخة الفرنسية) من صحيفة (تقويم وقايع) وهي الصحيفة الرسمية للدولة العثمانية؛ فكان بذلك أول مثقف (ليبي) يعمل بالصحافة، وإن كانت تجربته الصحفية القصيرة جداً (خارج بلاده/ وبغير لغته ) غيرأنه سرعان ما توفي هناك بعد بضعة أشهر.
كما عني الدكتور التميمي بتاريخ ليبيا الحديث والمعاصر في عدة بحوث لاحقة من خلال مجلتيه العلميتين (المجلة التاريخية المغربية) و (المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية) وسلسلة (مؤتمراته التاريخية) المطردة منذ عدة سنوات في مركزه البحثي هناك. وأذكر منها البحث المغاربي التالي ـ على سبيل المثال (التشكل الاداري والجغراسياسي للايالات العثمانية بالجزائر وتونس وطرابلس الغرب 1557 ـ 1588) المنشور في مجلة الدراسات العثمانية المذكورة سنة (1997). وبحثه الوثائقي المطول (عثمنة إيالات الجزائروتونس وطرابلس على ضوء المهمة دفتري 1559 ـ 1595) المنشور في المجلة نفسها سنة (2006) وقد ألحق به (243) وثيقة موجزة من هذا المصدر العثماني الشهير القيم عن تلك الفترة المبكرة التي تفتقر إلى مثل هذه النصوص الوثائقية.
وقد استفدت جدا من آثارالدكتورالتميمي ودورياته ومؤتمراته التي تمكنت من المشاركة في بعضها خلال السنوات (1982/ 1984/ 1988) وشدَني (منهجه الوثائقي) الحفيُ بنشر النصوص من جهة، وعنايته الواسعة المطردة بشؤون (الفضاء العثماني) من جهة أخرى. وكانت مشاركتي الأولى في مؤتمراته التاريخية عن (العلاقات الليبية/ التونسية في القرن التاسع عشر: ملاحظات أولية على نشاط الوكلاء)؛ وهم المقابل اللغوي للقناصل، وقد بنيت المساهمة على بعض وثائقهم، فهي لصيقة جداً ـ كما ترى ـ بالوثائق/ والفضاء العثماني.
وكان الهاجس الذي دفعني إلى هذا الموضوع في واقع الأمر، وأشرت إليه في بداية المساهمة، يتعلق بدراسة العلاقات العربية/ العربية في العصر الحديث التي لم تحظ باهتمام واسع من قبل الباحثين. وظل حماسي لهذا الموضوع متصلا، وقد عرضته ـ فيما أذكرـ على أكثر من باحث وباحثة من شباب الدراسات العليا، مؤملا إنجاز دراسة أوسع حوله، وهو ما حققته ـ بحمد الله تعالى ـ الأخت الفاضلة الباحثة الشابة سعاد محمد الجفال في رسالتها الجامعية لمرحلة الماجستير (العلاقات الليبية ـ التونسية خلال العهد العثماني الثاني 1835ـ1911م) التي أشرف عليها الأخ الفاضل الدكتورالطيب البهلول، وصدرت ضمن منشورات المركزأيضا سنة (2006). وقد وضعت بين يديها منذ البداية ملفين من الوثائق صورتهما من الأرشيف التونسي قبل عدة سنوات، وهما بعنوان (مكاتيب عمال الطرابلسية إلى جناب الوزير الأكبر). وهما يشيران ضمنيا إلى الوثائق العديدة المتعلقة بتاريخنا خلال القرنين الماضيين (19ـ 20) في هذا الأرشيف القريب الثري المنظم.
2ـ عبد الرحيم عبدالرحمن عبد الرحيم: أستاذي المؤرخ الراحل الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم ـ تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه ـ درست على يديه قليلا بجامعة الأزهر، ثم ازددت به صلة من خلال عنايته المعروفة بتاريخ مصر العثمانية ونشر نصوصه المخطوطة؛ وله أطروحة قيمة عن (الريف المصري في القرن الثامن عشر) نشرت في القاهرة سنة (1974) ولقيت صدى طيبا في الداخل والخارج. ومن أبرز الآثار المخطوطة التي نشرها عن العهد العثماني كتاب (أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات ـ الملقب بالتاريخ العيني) للمؤرخ أحمد شلبي عبد الغني ( ت 1150 هـ/ 1737م) الذي صدرت طبعته الأولى بتحقيقه في القاهرة سنة (1978) وطبعته الثانية سنة (1994).
ولا يفوتني التذكير في هذا المقام الأثير، بصلة ذاك الأثر التاريخي القيم الذي كان من أبرز مصادر الجبرتي في (عجائب الآثار) بتاريخ ليبيا الثقافي في العهد القرمانلي؛ وذلك أنَ الدكتورعبد الرحيم قد نشرالمخطوطة اعتمادا على نسختها الفريدة المحفوظة (بمكتبة جامعة ييل) في الولايات المتحدة الامريكية؛ وهي ـ كما ذكر في مقدمته ـ بخط الكاتب الطرابلسي (مصطفى خوجه) الذي يعدُ ـ فيما أرى ـ أبرزناسخ/ أو ناشر للمعرفة في تاريخنا الثقافي خلال العصرالحديث، قبل ظهورالطباعة. وتسربت المخطوطة في ظرف ما إلى المكتبة الامريكية المذكورة (؟) وهذا نموذج بارز لدورالنساخ في توثيق النصوص، والتعاون على حفظها بين الخزائن العلمية.
وقد ظن أستاذي الفاضل أنَ الناسخ المذكور (قرشي النسب) فأثبته كذلك في الطبعة الأولى للكتاب؛ وعندما تبين لي فيما بعد ـ من خلال عنايتي المتواضعة بمصطفى خوجه ومكتبته ـ أنَ صوابه (قرجي النسب) نسبة إلى (كرجستان في القوقاز؛ وتعرف بجورجيا اليوم) أرسلت له خطابا ـ حرصاً على التصويب ـ بتاريخ (16-4-1984) أنبهه فيه إلى ما تقدم، وقد كان أستاذا أريحيا في ردِه النبيل على تلميذه، بتاريخ (10-2-1985) وصحح النسبة في الطبعة الثانية مشيرا إلى ذلك بلطف أبوي كريم. وتتمثل زبدة هذا التصويب البسيط في توثيق الانتماء الجهوي/ العرقي لأصول هذا الرجل؛ خلال ذلك العهد الذي امتزجت به الأعراق في النسيج الاجتماعي . وخلاصة الأمرأنَ مصطفى خوجه نموذج بارز في تاريخنا الثقافي؛ ولذلك عنيت به في كتابي (مصادر دراسة الحياة الفكرية في ليبيا في العهد القرمانلي) قدرالامكان آنذاك، ولا زلت أمنِي النفس بالعودة إليه في مساهمة لاحقة أوسع ـ بإذن الله تعالى.
وقد عرف أستاذي الجليل بعنايته الواسعة التي خصَ بها (سجلات المحاكم الشرعية) ويعدُ رائد الباحثين المعنيين بها اليوم في مصر الشقيقة، كما واظب على نشر وثائقها المتعلقة بالمغاربة ـ ومنهم الليبيون بالطبع ـ في (المجلة التاريخية المغربية) بتونس منذ بدايات صدورها (1976) وأصبح ذلك من الأبواب الثابتة تقريبا في جل أعدادها اللاحقة. وأنجز حولها دراسة قيمة بعنوان (المغاربة في مصر في العصر العثماني1517ـ 1798: دراسة في تأثير الجالية المغربية من خلال وثائق المحاكم الشرعية المصرية) صدرت بتونس/ والجزائرسنة (1982). ثم خصنا من ذلك بمحاضرة عامة ألقاها في أحد (المواسم الثقافية) المطردة للمركز حول (الليبيون في مصر في العهد العثماني) ألقيت بتاريخ (30ـ 5ـ 1990).
وعندما أتيحت الفرصة المناسبة، حرصت على تقديم قراءة نقدية لكتاب أستاذي المذكور؛ في عمل ببليوجرافي موسع صدربعنوان (المغرب العربي في 2000 عنوان: كتابات وقراءات في المجموعة المغاربية) عن مؤسسة الملك عبد العزيز في الدار البيضاء/ ومعهد العالم العربي في باريس سنة (1991).
وقد واصل الدكتورعبد الرحيم عنايته الفائقة بتلك السجلات الغزيرة، ونشر بالتعاون مع مؤسسة الدكتورعبد الجليل التميمي في تونس مجموعة كبيرة من نصوصها المختارة، في عمل وثائقي قيم صدر منه الجزء الأول بعنوان (وثائق المحاكم الشرعية المصرية عن الجالية المغاربية إبان العصرالعثماني) سنة (1992) وصدر الجزء الثاني بعنوان (وثائق المغاربة من سجلات المحاكم الشرعية إبان العصر العثماني) سنة (1994).
ويبدو أنني شددت منذ البداية حقاً إلى هذا اللون الثري الطريف من وثائق (التاريخ الأهلي) فكان أول مقال أنشره بعنوان (سجلات المحاكم الشرعية مصدر لتاريخنا الاجتماعي والاقتصادي في العصر الحديث) في مجلة (تراث الشعب) سنة (1981). خاصة وأنَني قضيت السنوات التي قبلها (1978 ـ 1980) أتردد بشكل مطرد على أستاذي محمد الأسطى (بدار المحفوظات التاريخية) وأتطلع بشغف، كلما حانت الفرصة، إلى الوقوف على ما كان يحيط به ويغمر الغرف التي حوله من الوثائق والسجلات. وكانت تلك المقالة الأولى دعوة صادقة إلى العناية بهذه السجلات الثرية الثمينة بحفظها وفهرستها ودراستها، ويبدو أن ذلك قد لقي صدى طيبا لدى الأخ الفاضل الدكتور محمد عمر مروان منذ عدة سنوات، فأنجز حولها رسالته الجامعية لمرحلة الماجستير بعنوان (سجلات محكمة طرابلس الشرعية: دراسة في مصدر تاريخي) التي أشرف عليها الأخ الفاضل الدكتورعقيل البربار، ونوقشت بجامعة الفاتح سنة (1997) ثم صدرت أخيرا ضمن منشورات المركز أيضا.
وفي هذا الاطار المصدري الوثائقي الذي كان الدكتور عبد الرحيم أبرز العاملين عليه بمصر الشقيقة، كانت مساهمة الباحث المصري الشاب الفاضل الأستاذ سامح إبراهيم عبد الفتاح عبد العزيز مندرجة في سياقه أيضا، بالغة الافادة منه، ومن غيره من المصادر هنا وهناك، في رسالته الجامعية عن (العلاقات بين مصر وطرابلس الغرب في عهد الأسرة القرمانلية) التي أنجزها هناك، وستصدر ضمن منشورات المركز خلال هذه السنة ـ بإذن الله تعالى.
ويمكن القول إجمالا في الختام بظهورتيار بحثي جديد، في فضاء التاريخ العربي الحديث/ أو العهد العثماني ؛ يمكن أن يسمى موضوعيا دون شطط باسم (مدرسة السجلات الشرعية) التي ظهرت ثمارها الأولى في المشرق العربي منذ بضعة عقود؛ ومن أبرزالباحثين الرواد المعنيين بها ـ على سبيل المثال ـ الأستاذ عبد الودود يوسف في مجلة (الحوليات الأثرية العربية السورية) سنة(1969) وغيره من الأعداد، و(المجلة التاريخية المصرية) سنة(1972) والدكتور خليل الساحلي في (المجلة التاريخية المغربية) في عددها الأول سنة (1974) والدكتور عبد الكريم رافق في مجلة (دراسات تاريخية) سنة (1981). وقد كان أستاذي الكريم الدكتور عبد الرحيم ـ رحمه الله تعالى ـ رائدها الوفي المعطاء في مصر الشقيقة.
وقد يغدو هذا النشاط البحثي، الذي لا يزال يشهد المزيد من التراكم في المشرق والمغرب، في الغد القريب أو البعيد ـ بإذن الله تعالى ـ موضوعا لإحدى (الببليوجرافيات المشروحة) التي يرجى أن تعنى في سياقها التوثيقي بالرصد والمتابعة. بيد أنَه من المؤمل أيضا أن تتم العناية في هذا السياق البحثي الجديد بوضع (مقدمة منهجية) جامعة لمجمل الأصول والضوابط والقواعد الإجرائية التي ينبغي أن تكون مدخلا معتمدا للخوض في هذا السبيل؛ مثلما عني بعض المستشرقين والمحققين العرب الرواد الأوائل بإنجاز تلك المقدمات المنهجية المعروفة المتداولة اليوم جدا لنشر النصوص المخطوطة. ومن طريف المفارقات في هذا السياق ـ على سبيل المثال ـ أن ذلك التعدد المألوف لنسخ النص الواحد في (حقل المخطوطات) يقابله في (السجلات الشرعية) بالضرورة أن كل نص فيها ـ كغيره من الوثائق ـ أصل نفسه الذي لا محيد عنه إلى سواه !.
3 ـ عماد الدين غانم : ولئن كان المؤرخان الكريمان المذكوران أعلاه يمثلان نموذجين بارزين من المغرب والمشرق، فإنَ الأخ الفاضل المؤرخ الجامعي الدؤوب الدكتورعماد الدين غانم، قد غدا اليوم ـ دون شك ـ مثالا بارزا لمؤرخ مشرقي مقيم في ليبيا ما يربو على ثلاثين عاما؛ لذلك يطيب لي أن أقول في هذا السياق ابتداء إنَه (المشرقيُ السوريُ اللاذقي، نزيل طرابلس المعاصر) استئناسا بهذا المصطلح اللطيف الأثير الذي كان شائعا في كتب التراجم العربية، مع عنايته الجادة الرصينة بتاريخنا الحديث والمعاصر، من خلال المصادرالألمانية الثرية التي انصرف إليها بالجمع والدراسة والترجمة؛ فأسدى بذلك كله خدمة جليلة للمكتبة التاريخية الليبية التي لم تنل حظها قبله من هذه اللغة.
وقد عمل الدكتورغانم بعد عودته من دراسته العليا بألمانيا، بضع سنوات في (جامعة حلب) و (معهد التراث العلمي العربي) الذي أسهم في تأسيسه بها؛ وهو أبرز مؤسسة عربية تعنى بهذا الجانب، ثم انتقل للتدريس (بجامعة الفاتح) قبيل التحاقه (بمركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي) عند الشروع في تأسيسه، فواكب نشأته منذ البداية وأسهم بجهده الكريم المديد في بنائه، وفضلا عن عمله في (مجلة البحوث التاريخية) وشعبة النشر، والمشاركة في الندوات العلمية، ورحلات التنقيب عن الوثائق في الأرشيفات الألمانية والنمساوية…الخ، مع استمرارعمله في التدريس الجامعي أيضا؛ فإنَ مساهمته البارزة تمثلت بشكل جليٍ باق في الأعمال العديدة التي عكف بدأب مطرد على نقلها إلى العربية، وقد تركز جهده العلمي في هذا السياق على كتب الرحالين الألمان وتقاريرهم، مع العناية بدراسة سيرهم وتتبع وثائقهم الذاتية وأرشيفاتهم الخاصة لتحريرالمقدمات الدراسية اللازمة التي تمهد السبل إلى نصوص آثارهم.
وأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض النماذج المختارة ـ على سبيل المثال ـ ومنها: (رحلة الطبيب الألماني أرفين فون باري إلى غات وبلاد الايير) 1995. و(رحلة عبرأفريقيا: مشاهدات الرحالة الألماني رولفس في ليبيا وبرنو وخليج غينيا) 1996. و(الدواخل الليبية في دراسات غوتلوب أدولف كراوزه) 1998 .. إلى غيرها من الكتب والبحوث والدراسات العديدة في الدوريات والندوات.
ولا زلت أذكر بكثير من المودة تلك الأيام الأولى التي كنت أتردد فيها على المركز، للشروع في العمل هناك بمقره التأسيسي الأول بحي الأندلس، فلا أجد به سوى الدكتورالجراري، والدكتورعماد، والأخ العزيزالأستاذ حامد أوحيدة أمين المكتبة، المثقف المهني الحصيف (الذي كان يطيب لي ـ فيما بعد ـ أن أدعوه باسم: طاش كوبرى زاده؛ صاحب: مفتاح السعادة ومصباح السيادة في تصنيف العلوم، تيمنا باسمه الميمون)!.
وقد رؤي آنذاك قبيل المهرجان العلمي لافتتاح المركز، في أواخرسنة (1978) أن تختار (حملة نابولي على طرابلس 1244هـ/ 1828م) لتنشرعلى حدة؛ فصلة أولية مختارة من مخطوطة (اليوميات الليبية) التي كنت في بدايات نسخها صحبة أستاذي محمد الأسطى ـ رحمه الله تعالى ـ وما إن فرغت من تصحيح النسخة المرقونة آنذاك على الآلة الكاتبة من تلك الفصلة حتى سلمتها إلى الدكتورعماد الدين غانم لإبداء ملاحظاته والاستئناس برأيه، وعلى تواضع تلك المساهمة الأولية الموجزة، فقد أثلج صدري ما سمعته منه بعد قليل ـ عبرالهاتف الداخلي بين المكتبين ـ من عبارات التشجيع والاستحسان التي كانت (أول كلمة طيبة تحثُ الخطى) أسمعها في السنة الأولى من حياتي المهنية.
غير أن تلك الطبعة العاجلة التي لم أتمكن من تصحيحها قد جاءت مليئة ـ مع الأسف ـ بعشرات الأخطاء المطبعية، فضلا عن سوء إخراجها. وقد آثرت فيما بعد إخراجها من سياق الجزء الأول من اليوميات؛ لاستقلال موضوعها بأرقام مستقلة، ووجود نسختين منها بين الأوراق العديدة لمخطوطة المؤرخ، مرجحا إعادة نشرها في طبعة مستقلة جديدة، وإن كان ذلك في واقع الأمرعلى حساب حضورها في سياقها الزمني المدمج في أحداث تلك السنة من الجزء الأول، وأرجو أن تنجز تلك الطبعة لاحقا ـ بإذن الله تعالى.
* من خلال خبرتكم الطويلة في كتابة وتدريس مادة التاريخ؛ ما هي النصيحة التي تنصح بها من يكتب تاريخ ليبيا ؟
- مع هذه السنوات العديدة فإن تجربتي البحثية لاتزال متواضعة، وأتمنى المزيد من النضج . أما التدريس فتجربته أقصر بكثير، وإن كنت سعدت بلقاء الطلاب في (كلية الدعوة الاسلامية) خلال السنوات القريبة من مختلف البلدان، وأحسست حقا بأهمية التواصل مع هذه الشرائح الكريمة من (شباب العالم الاسلامي) سائلا الله تعالى أن يصبحوا في الغد القريب ـ أسوة بالمثل المشرقة السابقة هنا وهناك ـ (جسورا ثقافية) بين شعوبهم.
وإذا كان لي حق النصيحة لمن يكتب تاريخ ليبيا؛ فهي تتلخص في: برنامج ثري مطرد (لقراءة مستفيضة بلا حدود) والحرص المبكرعلى توسعة الآفاق اللغوية المصدرية، والتمرس بالوثائق والمخطوطات كما يتمرس كلُ مهني بأدوات عمله ومهارات إنجازه، والالتزام النبيل بالأمانة العلمية، والصرامة القصوى في التوثيق، ومعاودة التنقيح والتحرير والعناية بدقة الصياغة، وتجاوز الانشائية السردية إلى الجداول وما إليها من المعطيات البيانية الدقيقة كلما تطلب السياق ذلك، والأناة والصبر ومجانبة العجلة في الحكم، والتطلع إلى موضوعات أصيلة جديدة من تاريخنا الأهلي الذي لم يأخذ حقه من الدرس بعد .. الخ، وأخيرا إلحاق النص / أو الدراسة بما يلزمها من الكشافات الدقيقة؛ إذ أنَ (الفهارس مرآة النص).
* قورينا صحيفة خاصة تصدر عن شركة الغد، ما رأيك في خطها ونهجها ؟
- أهنئكم أولا وأخيرا بصدورهذه الصحيفة الجديدة (قورينا) مع أختها (أويا) متمنيا لهما مزيدا من التطلع إلى ذلك الأفق الثري من الصحافة الدسمة التي تشدُ مختلف أطياف النسيج الاجتماعي. ومن الجلي أن الصحافة الجادة كانت ـ ولا تزال ـ من أهم آليات الرصد والتوثيق و(التأريخ) أيضا لأيام الشعوب والمجتمعات. وقد استبشرت حقا بصدور هاتين الصحيفتين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لقاء | السمات:لقاء
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أكتوبر 29th, 2008 at 29 أكتوبر 2008 9:59 ص
شكرا اخى الكريم
زوروا مدونتى