لقاء
كتبهاالمختار الجدال ، في 19 تشرين الأول 2008 الساعة: 21:43 م
حوار مع عمار جحيدر الباحث بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية - الجزء الأول

نلتقي مع أحد أبرز الباحثين في تاريخ ليبيا، الباحث بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، وعضو هيأة التدريس بجامعة الفاتح، كلية التربية، قسم التاريخ، الأستاذ عمار جحيدر.
* عمارجحيدر في سطور .. نبذة عن حياته الشخصية والتعليمية والمؤلفات والبحوث .. المهام التي كلفت بها .. المؤتمرات والندوات.
- بسم الله أبدأ وبه أستعين. أودُ أن أتوجه أولا بجزيل الشكروالتقدير لشخصكم الكريم، ولصحيفة (قورينا) الموقرة وصفحتها التاريخية المعنية بشؤون/ وشجون هذا الفضاء الثقافي الذي يزداد رحابة، ويستقطب العديد من القراء والمعنيين، والباحثين والدارسين من تخصصات قريبة مجاورة، وربما أحيانا من حقول علمية بعيدة؛ وذلك مما يؤكد شعبية المعرفة التاريخية، واتصالها المطَرد بشرائح واسعة متباينة من النسيج الاجتماعي. ومثل ما تقوم حياة الفرد على (الذاكرة الذاتية) يحرص المجتمع والشعب والأمة على رصيد (الذاكرة الجماعية) التي توثق التجربة البشرية في شتى مظاهرها؛ وهو ما يعنى به اليوم المفهوم الحقيقي لعلم التاريخ .. الخ. ويطيب لي أن أجيب على أسئلتكم المختارة بمزيد من العناية والتقدير، والله وليُ التوفيق.
سبق أن ألحقت السيرة التعليمية / البحثية بآخر كتابي (مصادر دراسة الحياة الفكرية في ليبيا في العهد القرمانلي 1123ـ1251هـ/1711ـ1835م) الصادرعن مركزجهاد الليبيين للدراسات التاريخية، سنة 2003. غيرأَنني أفضل في هذا المقام أن أشير بإيجاز إلى مجمل المراحل في تجربتي المتواضعة على النحو التالي:
1ـ كانت الدراسة الابتدائية في (مدرسة أبي الأشهر) بمسقط رأسي (تاجوراء) خلال السنوات (1961ـ1967).
2ـ ثم قدِر لي بخيار من والدي، وربما اقترح ذلك أوأعانه عليه أحد أصدقائه وهو الشيخ سالم جروش ـ رحمهما الله تعالى ـ أن أتحوَل إلى الدراسة في (معهد أحمد باشا الديني) بحيِ (الظهرة) المعروف في طرابلس خلال السنوات (1967ـ1972) وهو ما يعني بالضرورة تحولا مبكرا إلى الدراسة الأدبية / والارتباط بالتراث. وقد استفدت من هذه المرحلة في التحصيل اللغوي على وجه الخصوص، ولا زلت أذكر إقبالي بشغف على كتاب (قطر الندى وبلُ الصدى) لابن هشام الذي تميَز بالسلاسة. كما بدأت قراءاتي الثقافية الأولى المتواضعة خلال هذه السنوات، وتعلَقت كثيرا بثراء تلك الرفوف العديدة في (المركز الثقافي المصري) بشارع عمرالمختار، ولا زلت أحتفظ ببطاقة الاشتراك فيه للاستعارة، وهي صادرة في مستهل سنة (1971). كما لا زلت أذكر بعض الكتب، في طبعاتها القديمة، لبعض أعلام الكتاب والأدباء التي وجدتها هناك؛ ومنها ـ على سبيل المثال ـ كتاب العقاد: (سعد زغلول: سيرة وتحية).
3ـ ثم تلتها سنوات الدراسة (بجامعة الأزهر) في القاهرة (1972ـ1977) التي آثرت منها (كلية اللغة العربية/ شعبة التاريخ والحضارة) وربما كان ذلك نزوعا إلى (الأدب) ودنوًا من آفاقه، وقد كنت محبا للشعر…في حين اتجه جلُ الزملاء الأزهريين آنذاك إلى (كلية الشريعة والقانون) وهم اليوم ـ بحمد الله تعالى ـ من خيرة رجال القضاء والمحاماة والشؤون القانونية. وكانت تلك المرحلة أكثرعمقا من سابقتها بالطبع، وأكثرانفتاحا على القراءات الأدبية/ الثقافية، مع ما تتيحه القاهرة من مورد خصب لاقتناء الكتب والمجلات، ما بين جديد المطابع ودورالنشرومعارض الكتاب، والمطبوعات القديمة بسورالأزهروالأكشاك المجاورة وغيرها من المظان؛ ومن هناك بدأت ـ آنذاك ـ تقميش مكتبتي الصغيرة المتواضعة التي آثرتها أخيرا بأفضل ركن في منزلي؛ رعيا لحرمة الكتاب، ولا زلت ـ بحمد الله تعالى ـ أجد فيها ما أقرأ وأعود إليه، وأقضي فيها جل وقتي الرضيِ المتاح.
4ـ ثم قدِرلي كذلك أن ألتحق (بمركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي) منذ تأسيسه، وأباشر بداية عملي به في مستهل سنة (1978) ضمن المجموعة التأسيسية الأولى لباحثيه. وكانت سنوات المركزـ ولا تزال ممتدة ـ تجربة بحثية ثرية تعلَمت منها الكثير. وكان (قدري الثقافي) كامنا في تلك الزيارة المبكرة التي صحبت فيها الأخوة الأفاضل: الدكتور محمد الطاهر الجراري، والدكتور عماد الدين غانم، وأستاذي المؤرخ الراحل الأستاذ محمد الأسطى، إلى منزل الأستاذ علي الفقيه حسن ـ رحمهما الله تعالى ـ للتفاوض في شراء مخطوطة (اليوميات الليبية) التي دوَنها جدٌه المؤرخ الأهليُ الحضري الحصيف حسن الفقيه حسن في القرن التاسع عشر. فقد بادرت فورا إلى طلب الانضمام إلى الأستاذ الأسطى في العناية بهذه المخطوطة الفريدة، وقادني ذلك إلى الجمع بين (الوثائق والمخطوطات موضوعيا / والعهد العثماني زمنيا) في حين واصل الاخوة الزملاء الباحثون الأفاضل، في تلك المجموعة التأسيسية، عنايتهم المطردة (بحركة الجهاد الليبي) وما ارتبط بها من ضرورات العمل الميداني والعناية القصوى الثرية بمسألة (التاريخ الشفوي) وهم اليوم ـ بفضل الله تعالى ـ من خيرة المتخصصين العارفين بهذه الفترة النضالية من تاريخنا المعاصر.
وإلى جانب التجربة المطولة مع مخطوطة (اليوميات الليبية) استفدت في المركز أيضا من تجربة العمل الميداني مع إخوتي الأعزاء في (فريق الوثائق والمخطوطات) الذي كانت له خصوصية حركته في هذا السياق، ومن آفاق الندوات العديدة التي شهدتها وساهمت في بعضها؛ في المركز/ وبعض المدن الليبية (غدامس، زليتن، أوجلة، المرج، سبها) وبعض البلاد العربية الشقيقة التي زرتها وأفدت من بعض خزائن مخطوطاتها أيضا (حلب، دمشق، دبي، المدينة المنورة، مكة المكرمة، القاهرة، تونس، الجزائر، الرباط، تطوان، الدارالبيضاء، فاس).
وكان الدرس الكبير الذي أخذته من الأخ الكريم الدكتورمحمد الطاهرالجراري نابعا من سعة أفقه، ورحابة صدره؛ بمنح حرية الحركة، وحق الاختيار، والمبادرة، وخلاف الرأي الذي لا يفسد للود قضية كما يقال، ولا أذكرأنه تدخل في كتاب، أو مجلة، أوندوة علمية .. في سياقها الإجرائي الذي كلفت به، مع اضطلاعه بتيسيرالسبل من خلال مسؤوليته الادارية.
5ـ وأتيحت لي أخيرا، بعد بضع عشرة سنة من العمل المتصل بالمركز، فرصة الايفاد لمواصلة الدراسة العليا (لمرحلة الماجستير) في (كلية الآداب / بجامعة استانبول) خلال السنوات (1992 ـ 1996) ومع أنني بدأتها في نحو الأربعين من العمر، فقد كانت تلك السنوات غنية ممتعة ـ رغم شقائها ـ بتجربتها الدراسية الجديدة التي أتاحت لي المزيد المزيد من مقاربة المصادرالغزيرة لتاريخ العهد العثماني، وقد أحببت هذه السنوات ولخصتها في عبارة موجزة: (إستانبول جنَة الباحثين)! غير أنني ظللت هناك أيضا لصيقا بهاجس (اليوميات الليبية) حريصا على مواصلة العناية بالجزء الثاني منها الذي كان بين يديَ آنذاك.
6ـ بعد العودة إلى المركزومواصلة العمل به من جديد، أتيح لي أيضا أن ألتحق بالعمل في (مجمع اللغة العربية) الموقراستجابة لدعوة الأستاذ الجليل الدكتورعلي فهمي خشيم (الأمين العام للمجمع) إذ كلفت (بمكتب الدراسات والتراث) هناك، وظللت به سنتين كاملتين خلال (005ـ2007) سعدت فيهما بتجربة أفق بحثي آخر يغذِي تلك النزعة اللغوية القديمة المتواضعة؛ فأشرفت على نشر العددين الثالث (2005) والرابع (2006) من (حولية المجمع) وساهمت في تنظيم ندوته السنوية (2006) وكانت عن (اللهجة الليبية في فضائها العربي الأوسط بين المشرق المغرب/ الحلقة الأولى: الفصيح المتداول في اللهجة الليبية ـ دراسات تأصيلية مقارنة بين المدن والأرياف والبوادي) وقد صدرت أعمالها في جزءين ضمن منشورات المجمع سنة (2007). ثم اضطررت للعودة إلى المركز لتراكم ما بذمتي من التزامات بحثية/ إجرائية، ولكن صلتي بالمجمع ظلَت متصلة بصفة (عضومراسل) منذ بضع سنوات، وأسأل الله تعالى أن أفي بواجبي نحو هذا المجمع العلميِ الموقر.
وفي هذه المراحل المتتالية بين (طرابلس/ والقاهرة/ وإستانبول) مع بعض الزيارات إلى مدن أخرى، كانت لي هذه التجربة الدراسية/ البحثية المتواضعة، في حدود ما تتيحه آفاقها المذكورة التي قادتني أولا (إلى التخصص الأدبي/ ثم إلى التاريخ والحضارة/ ثم إلى مزيد من الارتباط المهني بالعهد العثماني) خلال هذه السنوات العديدة التي أحسُ أحيانا بأنني لم أستثمرها كما كان ينبغي أن تستثمر، وأن بعض الزمن قد أفلت مني وذهب سدى! وأسأل الله تعالى مزيدا من الصبر، والعزم، وبركة الوقت، في الأيام الباقية.
* مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية. لماذا جهاد ؟ وكيف تقيِم إنجازات المركز منذ إنشائه ؟
ـ مركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي.
ـ مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي.
ـ مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية.
تعددت الأسماء (!) والبيت واحد.
ولماذا جهاد ؟ يبدو جلياً أن هذا التركيز الملحوظ على (فترة الجهاد) في اسم المؤسسة البحثية/ ومحتوى نشاطها العلميِ معا، كان تنويها بالغا بأهمية هذه المرحلة النضالية من تاريخنا المعاصر التي لم تنل ما تستحقه، قبل ذاك، من عناية عملية ودراسة موضوعية وإنصاف.
هذا صحيح؛ ولكن المجتمع الليبي كان في حاجة/ ويتطلع أيضا إلى مؤسسة بحثية تعنى بالدراسة والتوثيق لكل مراحل تاريخنا الوطني بأبعاده الشاملة: (السياسية/ الاجتماعية/ الثقافية/ والاقتصادية) في فضائها القديم/ والعربي الاسلامي حتى اليوم. ولذلك يمكننا أن نلاحظ هنا ـ على سبيل المثال ـ أنَ المركز قد سعى منذ البدية إلى شراء مخطوطة (اليوميات الليبية) وتحقيقها في نفس الفترة التي بدأ فيها جمع التاريخ الشفوي ودراسة حركة الجهاد الليبي المجيدة، وذلك فضلا عن نشاطه المطرد في جمع المادة التاريخية من الوثائق والمخطوطات والمطبوعات من الداخل والخارج. وخلاصة القول إن مجلته الأم/ الرئيسية (مجلة البحوث التاريخية) تعبِر في خطها العام عن تطلعها المستمرإلى العناية بكل هذه الآفاق التاريخية، كما أصبح (موسمه الثقافي) المطرد منذ سنين عديدة من أبرز الفعاليات المنتظرة في المشهد الثقافي المعاصر.
أمَا الاسم الأوسط فيبدو أنَه إجراء إداري تطلَبته ظروف معينة، ومع ما فيه من قيد زمني ظاهري لم يكتب له أن يعمر طويلا. وجاء الاسم الثالث أكثر سلاسة وتعبيرا عن التنويه المعنوي المقصود بفترة الجهاد الليبي من جهة/ وأكثر انفتاحا واستيعابا لأبعاد التاريخ الوطني الشاملة المشار إليها أعلاه من جهة أخرى.
فالاسم هنا (مركز جهاد الليبيين/ للدراسات التاريخية) مشتمل على الفترة مع التنويه بها/ ومتجاوز لها غير مقصور عليها. وقد تذكِرنا هذه المفارقة اللغوية باسم قريب مماثل وهو (جامعة عمر المختار/ للعلوم الزراعية) على سبيل المثال؛ إذ لاعلاقة لهذا الرمز التاريخي البارز في حركة الجهاد الليبي بالمحتوى العلميِ لنشاط هذه المؤسسة الجامعية، ودلالة الاسم هنا أكثر انصرافا إلى التنويه والإشادة.
أمَا عن الشق الأخير من هذا السؤال (كيف تقيِم إنجازات المركز منذ إنشائه؟) فقد لا يحقُ لي (بصفتي أحد العاملين في هذه المؤسسة الأثيرة) أن أتوسع في التقييم؛ فإنَ ذلك متروك لمن هم أكثر استيعابا لحركيتها، وقدرة وموضوعية على مثل هذا التقييم. غير أنَ هذا الحرج الموضوعي لا يمنعني في واقع الأمر من التعبير الذاتي/ الانطباعي عن ارتباطي العميق واعتزازي البالغ بهذه المؤسسة التي ظلَت تملأ وجداني منذ تأسيسها قبل ثلاثين عاما، ويمكنني أن أفصح أكثر عن جذور هذا الارتباط الوجداني فأقول بشفافية مفعمة إنَني تساءلت/ وطالبت بتأسيس (مثل هذا المركز) قبل ظهوره بأكثر من سنة (في صيف 1976) في ذلك الملتقى الطلابي الذي جمع الطلبة المبعوثين (بغابة جودَايم) وكنت آنذاك طالبا بجامعة الأزهر؛ فقد كان سؤالي الوحيد موجها إلى الأستاذ الجليل الدكتور محمد أحمد الشريف، في أحد لقاءاته بالطلاب المبعوثين هناك: (عن تقديرالجهود الفردية التي يبذلها بعض الأساتذة الأجلاء في الدراسات التاريخية .. وضرورة ظهورالمؤسسة البحثية في هذا السياق…أوما يحمل هذا المعنى بالقدرالذي أتيح لي أن أقوله آنذاك).
بيد أنَ هذه الصلة الذاتية الجلية بالمؤسسة البحثية لا تحول أيضا دون القول: إنَ مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ـ مع ما قد يظهر اليوم أوغدا من الهنات أوالسلبيات في أدائه أوآرائه؛ وهي من سمات أيِ جهد بشري ـ قد تمكَن (بحمد الله تعالى) من الشروع الوثيق ـ على الأقل ـ في التحول بمهمة (المدوَنة التاريخية) الوطنية من الجهود والمساهمات (الفردية) العديدة، القمينة بكل التقدير والتجلة، إلى (العمل المؤسسي) الذي ينبغي أخيرا أن توؤل إليه. وفي هذه اللبنات البنَاءة التي وضعت ما يدفع إلى المزيد من الجهد والعطاء. وقد غدت منشورات المركز اليوم، مع ما تقدم عليها من أعمال المؤرخين السابقين، وما واكبها من معطيات المادة التاريخية في شعبه العلمية/ المصدرية، تشكِل مرجعية موسَعة لتاريخنا الوطني وتراثنا الثقافي، وأسأل الله تعالى لها أخيرا المزيد من النموالمطَرد.
وهذا التحول إلى العمل المؤسسي لا يعني بالضرورة أيَ مساس أو تقليل من جهود بقية السياقات العاملة؛ وهي أسبق عهدا، في هذا الفضاء البحثي، وأعني على وجه الخصوص: أقسام التاريخ وغيرها من الأقسام القريبة من شؤونه وشجونه في الجامعات الليبية، والباحثين الدارسين في الخارج، والمبادرات الفردية الجادة المتقنة نفسها التي كانت/ وستظل صوى ملهمة في سبل المعرفة البشرية !
* هل استكمل المركز توثيق تاريخ الحقبة الجهادية في ليبيا ؟
- أودُ أن أستهل إجابة هذا السؤال أيضا بشيء من الشفافية فأقول: إنَني ـ مع صلتي الوطيدة، الطويلة، العميقة بهذه المؤسسة العلمية ـ لا أفقه شيئا كثيرا في واقع الأمر عن حركة الجهاد الليبي المجيد؛ لا نصرا في إلى اهتمامات بحثية أخرى قبل هذه المرحلة زمنيا. غير أنني من خلال تلك الفرصة الطيبة التي أتيحت لي بالإشراف على تحرير مجلة (الشهيد) وهي حولية خصصت للعناية بحركة الجهاد الليبي والتاريخ المعاصر، في سنواتها الأولى (1980ـ1984) من جهة، ومن خلال متابعاتي المتواضعة لجهود زملائي الباحثين الأفاضل وأعمالهم المنشورة العديدة، فضلا عما تقدَم عليها، وواكبها من أعمال الباحثين والمؤرخين الآخرين من جهة أخرى، يمكنني القول بقدر من المقاربة الانطباعية التي لا تدَعي المزيد من الدقة، إنَ ما أنجزه المركز من المعطيات التوثيقية/ والأعمال الدراسية ليس قليلا، وخاصة في سياق التاريخ السياسي والعسكري/ الحربي، في خطوطه العريضة/ العامة التي تزخر بالكثير من الجزئيات والتفاصيل والتحليلات العميقة لبعض القضايا والمسائل، ولكنها قد تشير أيضا إلى وجود بعض الثغراث الموضوعية/ والزمنية التي تنتظر الدرس، وذلك فضلاعن الجوانب الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الشعب الليبي التي لم تستكمل دراستها ـ فيما أرى ـ حتى اليوم. ولا تزال الأبحاث والرسائل والاطروحات مستمرة على أية حال .
* ما أهمية تحقيق المخطوطات في كتابة التاريخ؟ وهل ترى أنَ كل مخطوط يستحقُ الدراسة؟
- من خلال تجربتي البحثية المتواضعة خرجت بالخلاصة المنهجية التالية؛ وهي أنَ البحث التاريخي/ أو الكتابة التاريخية تندرج/ وتتكامل في ثلاثة محاور :
1ـ التحقيق والتوثيق.
2ـ التركيب والتحليل.
3ـ التأمل والفلسفة.
وهي محاور متكاملة/ متساوية؛ كالأواني المستطرقة لا تفاضل بينها، ولكنها تغدو تراتبية متتالية على المستوى الإجرائي بالضرورة؛
ـ إذ لا توثيق قبل التحقيق.
ـ ولا تركيب قبل التوثيق.
ـ ولا تحليل قبل التركيب.
ـ ولا تأمل قبل التحليل.
ـ ولا فلسفة قبل التأمل.
وهي أشبه بتراتبية (الإنشاء المعماري) المعروفة؛ ومن العبثية أن نتصورمثلا (ضرب فرشاة الطلاء/ في الهواء/ قبل إنجاز البناء) ومن القصور كذلك ـ في المقابل ـ أن نكتفي (بالقواعد والسقف والجدران/ دون فسيفساء الألوان). ولذلك يمكن القول بداهة إنَ تحقيق المخطوطات/ وتوثيق النصوص هي البداية الطبيعية والقواعد الأساسية للشروع في (بناء الدراسات التاريخية). كما أنَ الباحثين أنفسهم مختلفون في تكوينهم، متفاوتون في ميولهم إلى هذه المحاور؛ فقد ينصرف الباحث إلى هذا المحورأو ذاك، وقد يجمع ـ أحيانا ـ بين أكثر من محور واحد.
أمَا عن الشق الثاني من هذا السؤال؛ فأودُ أن أشير أولا إلى أنني قدَمت مؤخرا مساهمة متواضعة بعنوان: (المخطوطات العربية في ليبيا: بين المصادرالوصفية/ والنصوص التوثيقية/ والوضعية الحالية). وهي تشكِل (الفصل السابع) والأخير من العمل الجماعي المشترك: (معالم الحضارة الاسلامية في ليبيا) الذي أنجزه عدد من الباحثين، وأصدرته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، مساهمة في الاحتفاء (بطرابلس عاصمة الثقافة الاسلاميةـ2007). وقد رأيت هناك أن أستهل هذا الفصل بضبط مصطلح (المخطوط) أولا؛ رفعا لهذا اللبس الشائع الذي يكتنف اليوم غالبا دلالة الكلمة. إذ أنَ هذه الدلالة في واقع الأمرشكلية/ وصفية لهيئة النصِ قبل الطباعة، ولاعلاقة لها بقيمة المحتوى؛ خلافا لمصطلح (الوثيقة) المعبرعن قوة النص ومحتواه، لا عن هيئته وشكله. ولمزيد من الايضاح أعددت هناك رسما توضيحيا لضروب العلاقة بين هذين المصطلحين المرتبطين بالشكل والمحتوى.
وخلاصة القول في هذا المقام إنَ الكتب والآثارالمدونة (في حالتيها: مخطوطة أولا/ ومطبوعة أخيرا) متفاوتة في قيمة محتواها على هذا النسق ـ على سبيل التقريب والمثال؛ إذ أنَ منها: (1) الكتاب المدرسي (2) والكتاب الثقافي العام (3) والكتاب التخصصي العميق. وهو ما نجده ماثلا بوضوح في معارض الكتاب؛ ومن الجليِ هنا أنَ قيمة النصِ/ الكتاب لا صلة لها بحالته التي هوعليها بين (المخطوط/ والمطبوع). وإنَما يكتسي المخطوط اليوم بهذه القيمة الطريفة؛ بسبب ندرته بعد انتشار الطباعة ـ وذلك فضلا عن جماليات الوراقة اليدوية الآسرة التي تدنو اليوم حثيثا من فضاء الخطاب التشكيلي المعاصرـ مثل ما كان الكتاب المطبوع نادرا طريفا قبل بضعة قرون في بدايات الطباعة. هذا من جهة النص، أمَا من جهة العمل فإنَ ما يعرف بعلم (تحقيق النصوص) الذي وضعت له العديد من القواعد، ليس مقصورا على النصوص المخطوطة، كما هو شائع اليوم جدًا، إذ أنَ بعض النصوص المنشورة أحوج إلى الدرس والتحقيق.
وختاما لمطلب هذا السؤال (فإنَ كلَ مخطوط يستحقُ الدراسة) أولا للوقوف على قيمته في سياقه المعرفي؛ وعلى ضوئها تتحدد ضرورة نشره لتعميم فائدته، أوالاكتفاء بالاشارة إليه.
* من الملاحظ أنَ أغلب تاريخ ليبيا كتبه غير الليبيين: أتراك .. مصريون .. فلسطينيون .. علاوة على الايطاليين. ترى هل قام هؤلاء بكتابة تاريخنا صحيحا أم هناك قصور تراه في ذلك؟
- أودُ أن أشير أولا إلى مصطلح مهم يرد على الذهن سريعا في سياق هذا السؤال؛ وهو مصطلح (المنظور التاريخي) الذي عني بعض المؤرخين المعاصرين بالتنبيه إليه؛ ومنهم ـ فيما أذكر الدكتور عبدالعظيم رمضان في أحد أعداد (المجلة التاريخية المغربية). وانطلاقا من معطيات هذا المصطلح المنهجيِ يمكن القول ابتداء إنَ هذين العنصرين (المؤرخين/ والمصادر) يشتركان في التراتبية التالية:
1ـ مؤرخون محليون أهليون/ مصادرأهلية.
2ـ مؤرخون شركاء/ مصادرشريكة.
3ـ مؤرخون آخرون/ مصادرالطرف الآخر.
وعلى هذا الأساس فإنَ تاريخنا الحديث والمعاصر، على وجه الخصوص، قد دوَنته ـ على تفاوت كميِ وكيفي ـ هذه الفئات الثلاث:
1ـ المؤرخون (الليبيون) القدامى/ أوالمحدثون، والدارسون المعاصرون.
2ـ المؤرخون الشركاء في الانتماء إلى الفضاء التاريخي/ الحضاري؛ وهم العثمانيون القدامى/ أوالمحدثون، والأتراك المعاصرون، والعرب المشارقة، والمغاربة.
3ـ المؤرخون الآخرون/ الأجانب؛ على اختلاف لغاتهم وانتماءاتهم.
ويبدو لي أنَ هذا التصنيف الإجرائي يصدق أيضا على الوثائق الأولية في الدوائرالرسمية.
أمَا الإجابة عن مطلب هذا السؤال المباشر؛ فإنَها لا تتأتى في مثل هذا السياق الخفيف العاجل؛ وإنَما تتطلب إعداد (ببليوجرافيات مشروحة) ودراسات نقدية عديدة لهذا التراث التاريخي المتراكم، يضطلع بها عدد من الباحثين ذوي الكفاءة والاختصاص. بل يمكن أن يشكِل مثل هذا التوجه في الغد القريب أوالبعيد موضوعا دراسيا لأطروحة جامعية أوأكثر. وتظل مسألة (المنظورالتاريخي) المشار إليها أعلاه قمينة بالتقدير والاعتبار؛ وذلك أنَ علم التاريخ في عمومه، مع كلِ شروطه وضوابطه المطَردة، لا يتسنَى له الخروج عن هذه التعددية في المصادر/ والمؤرخين/ ووجهات النظر. ولا يمكننا كذلك أن نطلب من (الآخر) النظر إلى تاريخنا بغير عينيه، وما وراء عينيه من اختلاف أومغايرة أو تفاوت في التكوين التاريخي والانتماء الحضاري.
* في رأيك ما هي أكثرحقبة تاريخية لم يطلها البحث حتى الآن بالرغم من أهميتها في تاريخ ليبيا الحديث والمعاصر؟
- إلحاقا بسياق الإجابة السابقة ينبغي القول إنَ هذا السؤال يتطلَب أيضا إحصاء دقيقا/ ورسما بيانيا لكلِ ما أنجزمن البحوث والدراسات والأطروحات في مختلف اللغات عن (تاريخ ليبيا) في هذه القرون الأخيرة التي تشكِل العهدين (الحديث والمعاصر) ولا يخفى أنَ جلَها ينتمي إلى ما يعرف بالعهد العثماني. وسيكشف الإحصاء عن (منحنى الخط البياني) لهذه الجهود المنجزة.
على أنَ أولى الملاحظات الانطباعية التي تبدو جليَة في هذا المقام؛ هي أنَ حجم الدراسات المنجزة ـ في العربية على الأقل ـ تزداد بوضوح مع قرب المرحلة الدراسية المختارة؛ بالنظرإلى ازدياد المادة التاريخية الأوليَة وتوفرها أكثرممَا تقدَم عليها. وعلى هذا الأساس يمكن القول بشيء من المقاربة الأوليَة إنَ أواخرالعصرالوسيط/ والحقبة المبكرة من العصر الحديث/ والعهد العثماني الأول، تظل ـ فيما أرى ـ أكثر غموضا وخفاء ممَا يليها. كما نلاحظ على وجه الخصوص أنَ العهد العثماني الثاني قد حظي في العقود الأخيرة بتوجه العديد من الباحثين إليه في سياق الدراسات العليا؛ وتفسيرذلك يكمن في وفرة المصادر (المتاحة) ـ كما تقدَم ـ قبل أيِ اعتبارآخر. كما أنجزت بعض الدراسات عن التاريخ المعاصر: (بعد الحرب العالمية الثانية) ولكنَها ـ فيما يبدوـ لا تزال قليلة.
هذا من زاوية البعد الزمني لتاريخ ليبيا الحديث والمعاصر، أمَا من زاوية البعد الموضوعي فيبدو جلياً كذلك أنَ التاريخ السياسي قد استاثر بجلِ الجهود، في حين تقلَصت العناية ـ وربما غابت أحيانا ـ عن التاريخ الأهلي الحقيقي؛ التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وأودُ أن أشير في هذا المقام إلى أنَني عنيت منذ عدَة سنوات بذلك النصِ الثقافي الموجز القيم الذي دوَنه الفقيه العالم، الصوفيُ المؤرخ، عبد السلام بن عثمان التاجوري في ختام القرن الحادي عشرالهجري (السابع عشرالميلادي) عن نشأته وتحصيله الدراسي وسيرته العلمية من خلال تراجم شيوخه؛ وذلك في خاتمة مخطوطته المعروفة (فتح العليم في مناقب سيدي عبد السلام بن سليم). وعندما أتيحت الفرصة أخيرا لتحرير هذه المساهمة المتواضعة ونشرها في العدد الرابع (2006) من (حولية مجمع اللغة العربية) حرصت على استهلالها بهذا العنوان المزيد ابتداء: (الحياة الثقافية في ليبيا ـ في العهد العثماني الأول: عبدالسلام بن عثمان التاجوري 1058 ـ 1139هـ / 1648 ـ 1727 م وتراجم شيوخه نموذجا). وكنت أعني بكلِ صدق الإشارة ـ ضمنيا ـ إلى قلَة العناية بذلك العهد المبكرعموما، وبحياته الثقافية على وجه الخصوص، قياسا بالعهد العثماني الثاني كما ذكرت أعلاه.
* نرى الآن نهضة علمية في ليبيا لكتابة التاريخ من قبل الليبيين أنفسهم عبر دراسات تاريخية، رسائل علمية: ماجستير، دكتوراه، ما تقييمك على الأقل لما اطلعت عليه من هذه البحوث؟
- لا بدَ لي في البداية من التوجه بالتحية والتقدير لكلِ الأساتذة الأفاضل من المؤرخين والباحثين على اختلاف أجيالهم وتكويناتهم الدراسية الذين ما انفكوا يثرون المكتبة الليبية المعاصرة بأعمالهم التاريخية. ومن نافلة القول إنَني لا أزعم لنفسي حقًاً في تقييم هذه الجهود الدراسية العديدة، مع تواضع تجربتي وحصيلتي أولا، وتعدد موضوعاتها وحقبها الزمنية. وفضلا عن ذلك فإنَني لا أدَعي أيضا حسن المتابعة ـ على الأقل ـ والدراية الجادة بما ينجز من الدراسات، وينشر من الأعمال هنا وهناك. على أنَ هذا الاحتراز الصادق أيضا لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات العامة في هذا السياق.
ـ والملاحظة الأولى : تتمثل في هذا التوسُع الكميِ/ والمكاني لنشاط الدراسات العليا بأقسام التاريخ العديدة، وتجاوز كليتي الآداب بطرابلس وبنغازي إلى عدَة فضاءات جامعية أخرى.
والملاحظة الثانية : تبدو كذلك في بروز ظاهرة في السنوات الأخيرة لافتة للانتباه؛ وهي توجه عدد من الباحثين إلى (الدراسات الجهوية) التي تعنى كلُ دراسة منها بإحدى المدن الليبية وأحوازها؛ في فضائها السياسي/ الإدراي، والاقتصادي/ الاجتماعي غالبا. وقد أنجزت عدَة رسائل في هذا السياق، ونشربعضها وأصبح متداولا بين القراء والدارسين. كما شهدت أخيرا ـ على سبيل المثال ـ مناقشة الرسالة التالية التي أعدَها الزميل الباحث محمد حسين التركي، وأشرف عليها الأستاذ الفاضل الدكتور عماد الدين غانم، وناقشها الأخوان الكريمان الدكتور عبد الرزاق النصيري والدكتور جماعة ضو إبراهيم، بقاعة مركزجهاد الليبيين للدراسات التاريخية، صباح الخميس (24ـ1ـ2008) وهي مقدَمة إلى كلية الآداب بجامعة سبها بالعنوان التالي: (براك الشاطي خلال العهدين القرمانلي والعثماني الثاني: دراسة للنظام الاداري، والنشاط الاقتصادي، والحياة الاجتماعية، في ضوء الوثائق المحلية).
وقد يعبِرهذا النموذج الدراسي المنجز أخيرا (في إطاره الزمني والموضوعي والمصدري) عن بقية الأعمال المماثلة غالبا التي يمكن القول من خلالها إنَ هذا السياق الدراسي سيتيح المزيد من التغطية الأفقية لتاريخ ليبيا الحديث والمعاصر. وقد تتلوها ـ بإذن الله تعالى ـ في ظروف موضوعية لاحقة، دراسات تركيبية/ تحليلة/ مقارنة/ ناقدة.
أمَا الملاحظة الثالثة، والأخيرة: وهي أكثرعمقا، فقد طرحتها باقتضاب في ندوة التكريم التي نظَمها مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، تقديرا للمؤرخ الجامعيِ الجليل الدكتورصلاح الدين حسن السوري سنة (2006). وأودُ التذكير بها ثانية في هذا السياق، وهي تتعلَق بالآفاق اللغوية/ المصدرية لتاريخ ليبيا الحديث/ في العهد العثماني، على وجه الخصوص. وخلاصة الفكرة تشيرإلى وجود ثلاثة أجيال متباينة من المؤرخين الليبيين المعاصرين، تدلُ عليهم بجلاء النماذج التالية المكونة من الأساتذة الأجلاء:
1ـ الأستاذ الطاهرأحمد الزاوي(1890ـ 1986): وهو مؤرخ مخضرم، ويمثل بتكوينه الدراسي المعروف غلبة (المصادر العربية) على آثاره التاريخية.
2ـ الأستاذ محمد الأسطى (1900ـ 1991): وهو مؤرخ مخضرم أيضا، غلبت على تكوينه الدراسي، وعمله بدارالمحفوظات التاريخية، العناية (باللغة العثمانية) ووثائقها التاريخية التي أتاح الإفادة منها للعديد من الباحثين.
3ـ الأستاذ مصطفى عبد الله بعيو (1921 ـ 1988): وهو مؤرخ لاحق، أتاح له تكوينه الجامعي الجديد أن يتجه بتوسع ملحوظ إلى الإفادة من (المصادرالأجنبية الغربية).
ومن الجليِ أنَنا نتفق اليوم على إكبارهذه النماذج/ في هولاء المؤرخين الأجلاء الذين غذُوا المكتبة الليبية بجهودهم المخلصة الثرية. غير أنَ هذه التجلَة الصادقة الواجبة التي تزيدها الأيام رسوخا، لا تحول موضوعيا دون الإفصاح عن التطلعات الجديدة التواقة إلى ظهورذلك المؤرخ المستقبلي القادم الجامع بين هذه الآفاق اللغوية/ المصدرية معا في تكوينه الشمولي الموسَع، وهو ما بدت بوادره الأولى لدى: الأستاذ إسماعيل كمالي (1883 ـ 1936) والأستاذ محمد الأسطى (1900ـ1991) والدكتورصلاح الدين حسن السوري (1936) والدكتورعبد الكريم أبو شويرب (1938).
وينبغي أن نلاحظ في هذا المقام حقا أنَ أولئك المؤرخين/ المستشرقين الكبار الذين عرفوا بعنايتهم الجادة بتاريخنا الحديث خلال القرنين الماضيين (19 ـ 20) قد حرصوا ابتداء على الانفتاح المبكر على هذه الافاق اللغوية في مثلثها المذكورالذي يمكن أن نرمزإليه بالحروف الأولى: (ع/ ع/ غ) ومن الجلي أنَها تعني: العربية، والعثمانية، وإحدى اللغات الغربية. ومن حسن الحظ أنَ لدينا نموذجين بارزين يتمثلان في أشهر مؤرخين غربيين انصرفا إلى العناية الواسعة بتاريخنا؛ وهما المؤرخ/ المستشرق الفرنسي شارل فيرو (1829ـ1888) في القرن التاسع عشر، والمؤرخ/ المستشرق الايطالي إتوري روسي (1894ـ1955) في القرن العشرين. ومن المعروف أن كليهما قد جمع في عمله بين العربية، والتركية العثمانية، ولغته/ أولغاته الغربية.
كما أصبح من الثابت اليوم أيضا من جهة أخرى أن فيرو قد نقل كتاب (التذكار) للمؤرخ ابن غلبون أولا إلى الفرنسية ـ وإن لم تنشرترجمته ـ وهو ما كشف عنه المؤرخ الجليل الدكتور محمد عبد الكريم الوافي في مقدمة الطبعة الثانية (1983) لترجمة (الحوليات الليبية). كما نقل روسي (التذكار) أيضا إلى الايطالية بعد صدورنشرة الشيخ الطاهرأحمد الزاوي الأولى للكتاب في القاهرة سنة (1349هـ/1930م) وقد صدرت الترجمة الايطالية التي أغناها بالعديد من الحواشي المزيدة سنة (1936).
ولئن كان الأستاذ بعيو رائدا للدراسات التاريخية المنهجية الحديثة، كما صنفه الأستاذ التليسي في شهادة معاصرة ـ وكلاهما بما قيل خليق ـ فإنه لمن الحق الذي لا مراء فيه، أن الأستاذ إسماعيل كمالي كان رائد هذا الأفق اللغوي الثلاثي المصدري المذكور، وإن جاء ذلك ـ في واقع الأمرـ اتفاقا مع سياقه المرحلي لعمره المخضرم؛ في شطرين متقاربين (1883 ـ 1936) بين أواخر العهد العثماني والاحتلال الايطالي.
ويبدو هذا الأفق الثلاثي كذلك ضروريا صادقا على عصور وفضاءات تاريخية أخرى؛ فالعصر العباسي، على وجه الخصوص، يتطلَب اليوم الجمع بين العربية والفارسية واللاتينية. كما أنَ دراسة التاريخ الافريقي/ الاسلامي لا تستغني كذلك عن ضرورة الجمع بين العربية، وإحدى اللغات الاوربية، وإحدى اللغات الافريقية في فضائها الاسلامي كالهاوسا والسواحلية.
* ما تقييمك لإعادة طباعة الكتب التاريخية، أو أنها تحتاج إلى إعادة دراسة وتوثيق ؟
- إعادة طباعة الكتب التاريخية ـ وغيرها - (بالتصوير/ أو بالتصفيف الجديد) عادة متبعة لدى بعض دورالنشر لتوفير النصوص. وقد تساهم مثل هذه الطبعات في تداول الكتاب وإتاحته للقراء والدارسين، ولكنها قد ترسخ أيضا – من حيث لا ندري – ما في هذه المطبوعات (غير المحققة) من الهنات والأخطاء التي تتسرب من خلالها إلى الأعمال اللاحقة والدراسات المعاصرة. وخير مثال لهذه المسألة في المكتبة التاريخية الليبية يتمثل جليا في كتاب (المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب) الذى نشره مؤلفه المؤرخ أحمد النائب الانصاري باستانبول سنة(1317/1899). وهو أول كتاب يطبع باللغة العربية في المكتبة التاريخية الليبية. وقد فطن الأستاذ الجليل خليفة محمد التليسي إلى ضرورة إعادة طبعه بعد نحو ستين سنة من صدوره، فاقترح ـ كما علمت منه أخيرا- على الناشر المعروف الأستاذ محمد الفرجاني أن ينشره من جديد، وكتب الأستاذ التليسي نفسه تلك المقدمة الجديدة المزيدة للكتاب التي ينبه فيها، على وجه الخصوص، إلى أن الكتاب ينشر طبقا لأصله، وأنَ مهمة تحقيقه متروكة للباحثين؛ فأصدرت دارالفرجاني (الطبعة الثانية) مصورة طبق الأصل عن نشرة المؤلف في مستهل الستينات من القرن الماضي، ثم ألحقتها (بالطبعة الثالثة) بتصفيف جديد في الستينات أيضا، ثم أصدرت (الطبعة الرابعة) مصورة عنها في لندن سنة (1984).
ومن المؤكد أنَ جهود (دارالفرجاني) المشكورة في العناية بالكتاب على هذا النحو المذكور قد أتاحت للعديد من القراء والدارسين أمر العودة إليه والافادة منه على نطاق موسع، وهو ما نقف عليه في آثار الدارسين المعاصرين. غير أنَ هذا الأثر الشهير ظلَ متداولا بينهم بهناته وأخطائه دون أن يطرح عليه (السؤال النقدي) اللازم نحو أربعة عقود. وقد تمكنت - بحمد الله تعالى - من التنبيه إلى هذه المسألة، وتبنى مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ـ مشكورا- تنظيم تلك الندوة العلمية المقترحة عن (المؤرخ أحمد النائب الأنصاري: حياته وآثاره وعصره، في الذكرى المئوية لصدور كتابه، مع نهاية القرن 1899 ـ 1999) وستصدر أعمال هذه الندوة قريبا - بإذن الله تعالى - وفيها العديد من الدراسات الرصينة الجادة والتقييم الجديد. وهذا يدعو بالضرورة إلى إعادة طبع الكتاب كاملا في نشرة علمية جديدة. وفي هذا المثال التوضيحي/ التطبيقي ما يذكرنا بتلك الاشارة في إحدى الاجابات السابقة أعلاه، إلى أنَ علم (تحقيق النصوص) ليس مقصورا على الآثار المخطوطة؛ إذ أنَ هذا الأثر المتداول اليوم جدا في حاجة قصوى إلى الدرس والتحقيق. على أنَ هذا لا يقلل بالطبع من فضل مؤلفه في مبادرته المبكرة باستانبول، وفضل الأستاذ التليسي في دعوته الكريمة، وفضل (دار الفرجاني) في عنايتها المطردة أخيرا بالكتاب
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لقاء | السمات:لقاء
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























