مقالات
كتبهاالمختار الجدال ، في 13 حزيران 2008 الساعة: 11:30 ص
مدينة طرابلس كما رآها رحالة المانى منذ مائة سنة
افالد بانزه شاب المانى في الثالثة و العشرين من عمره ركب السفينة المتوجهة من مالطا إلى طرابلس في 29 :02 : 1905 م وكانت ترافقه زوجته وعند وصوله إلى طرابلس نزل فندقا في المدينة القديمة قرب جامع صغير، و بعد ستة أشهر انتقل إلى المنشية ، وهى المنطقة الجديدة من مدينة طرابلس خارج السور حيث اجر هناك بيتا حتى رحيله في 31 : 03 : 1907
كان افالد مفتونا بأفكار عن الشرق راودت الكثير من الجغرافيين و المستشرقين الاروبيين في القرن التاسع عشر. و قد أراد أن يدخل عالم الشرق الغريب عن الأوربيين ، عبر طرابلس الغرب . كان بانزه مزودا بحماس الشباب وهو متأثرا بفكرة الصحوة و التفوق الاوروبى و متأثرا أيضا بالتفكير الاستعماري في ذلك الوقت.
سعى بانزه إلى تعلم العربية قراءة و كتابة و محادثة ، و كان خادمه صالح بن عبد الله الفزانى الذي تكلم الإيطالية بطلاقة و بعض الفرنسية عونا كبيرا له. تعلم بانزه الكتابة و كان يحمل كراسه أينما توجه يسجل فيه الكلمات الجديدة التي تعلمها بالاضافه إلى ملاحظاته الاجتماعية. سعى بانزه إلى تعلم طريقة التفكير الشرقية حتى قال و أخيرا توصلت إلى درجة التعود على أن اعبر عن أفكاري ببعض الجمل العربية و أصبحت بعض الحركات و التصرفات الشرقية جزء منى.
كان متحمسا و مثابرا لمعرفة هذا العالم الغريب عنه ،وكان مهتما بالقضايا الانتروبولوجية والاجتماعية ، و مما لاشك فيه أن وجود زوجته معه قد ساعده في اخذ فكرة عن العائلات الطرابلسية.
حاول بانزه في القيام برحلة إلى الدواخل تشمل فزان و برقة و لكن لم يتحصل على موافقة السلطات العثمانية . وكذلك حاول القيام سرا برحلة إلى غريان و منطقة الجبل الغربي برفقة زوجته و اثنين من أصدقائه الألمان تستغرق عدة أسابيع . و لكن المحاولة أحبطت في اليوم الثالث من الرحلة حيث داهم رجال الدرك مخيمه و أعيد إلى طرابلس بأدب بالغ و لكن بحزم.
غادر طرابلس يوم 31/03/1907 متوجها إلى مصر ، و لكنه رجع إليها في رحلتين في 1909 و 1914 ، وبقى لنا كتابه عن طرابلس الذي نشر في عام 1912 وهو الذي يجمع معظم ملاحظاته خلال رحلته الأولى و الثانية.
لقد استفاد من الوقت و كرس في البداية كل جهوده لدراسة اللغة العربية و أفاده في ذلك على وجه الخصوص خادمه صالح بن عبد الله ويذكر بأنه عندما تتعلم العربية قد تواجه مشاكل ، و لكن… فانك بعد مضي الوقت تغدو قادرا على التعبير عن ألح الحاجات و تتوجه إلى السوق مسرورا لكي تتمرن على الكلام . وببطء شديد تأخذ الأذن تتعود على الفروق الشديدة في نطق اللغة العربية التي يبدو و كأن كل واحد يتكلمها حسب ذوقه و على هذا الأساس أصبح من الممكن الافتراض بأن للعربية نفسها في مدينة واحدة تعابير إلى جانب بعضها البعض فمثلا في طرابلس كلام اليهود مع أبناء البلاد مغاير لكلام المسلمين. و بين هؤلاء فأن الحمال يتكلم على نحو مغاير لكلام أغلبية أصحاب الدكاكين و يمكن تفسير هذه الظاهرة بأن الغالبية لا يعرفون القراءة و الكتابة فتفتقد الضوابط ، و بذلك تغيب تدريجيا معايير اللغة و تثبت الفوارق .
وأما إعداد مخطط المدينة فقد كان مهمة تحف بالمخاطر حيث تتوجس الإدارة العثمانية من جواسيس إفرنج و لا سيما الجواسيس الايطاليين ، فقد يتاح لهم إذا وضعوا خططا للمواقع و التحصينات ، فتح الباب لدخول القوة الأجنبية إلى الولاية الأخيرة من إفريقيا العثمانية.
وعن حياة مدينة طرابلس اليومية فيذكر بانزه بأن النهار يبدأ كالآتي : البيوت المجاورة مازالت صامتة و شيئا فشيئا تبرز جدرانها البيضاء مثل الثلج. ثم يأتي صوت المؤذن ليقضى على هذه الدقائق الصامتة ، بعدئذ يأتي قطيع من الماعز بأصواته الواضحة ليلتف حول الزاوية و يتقدم الراعي المالطي حافي القدمين مرتديا سروالا ربط بحزام واحد و قميصا ملونا من الكتان و فوق الوجه المشرد قبعة صغيرة تبرز منها أذن. انفتح الباب المواجه لنا و امتدت يد نسائية حنطيه اللون بوعاء زجاجي ليملاه الراعي حليبا من الضرع …… في تلك الإثناء تزداد الحركة في الخارج ، ترى ولدا يرتدى قميصا و سروالا قصيرا رثا يقفز فوق بروزات و حفر الزقاق و يحمل سلة فيها عجين مقلي بالزيت اصفر و اخضر و ينادى بصوت حاد: اسفنز اسفنز سخون سخون و هو محبب كطعام صباحي ، و بعد السنفاز يأتي رجل أسود متقدم في السن و بكل هدوء يضع المنقل الحديدي على الأرض و يضع على الفحم إبريقا من الصفيح يدعى بكرج و يدعه حتى يسخن ثم يصب الخليط الذي يغلى في داخله و قوامه الماء و النشا و الكمون المطحون في فنجان و يرش عليه القرفة. و يسير بعدئذ و يصيح السحلب فاح ، السحلب فاح ، ثم يختفي تحت القوس ، إلا أنه يأتي بعده اللبان صائحا ، و اللبان شاب جسيم يحمل خشبة علق على طرفيها فنجالان بيضاوان فيهما لبن أو ما يدعوه الأتراك يوغرط. وهو حليب حامض منعش ، و على كل حال فانه قلما يكون نظيفا و يحمل خطر العدوى وترتفع الشمس في السماء ، و يخرج بانزه برفقة صاحب له حيث يسير عبر أزقة ضيقة و هادئة حتى يصل إلى ميدان الساعة و يجلس في المقهى الذي يديره مهاجر اوربى أشقر أحمر الخدين لعله من مسلمي البلقان و يطلب و صاحبه فنجاني قهوة واحدة قد قد وواحدة حلوة ويشعل السيجارة التي لفت على عجل، و يشربان القهوة حسب المعتاد برشفات صغيرة متتالية بسرعة و يتفرغان لممارسة التطبيق العملي لعلم الأجناس على ما يراه أمامه من نماذج بشرية – من أبناء الريف و البادية من عرب و بربر من تجار القوافل الغدامسية و تجار طرابلس الأغنياء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























يونيو 17th, 2008 at 17 يونيو 2008 7:50 ص
السلام عليكم
الاستاذ المحترم المختار الجدال قرأت ما كتبته عن هذا الرحاله الألماني وسررت كثيرا لمثابرته وجده من أجل أن يخرج بفائده خلال وجود بطرابلس وهذا درس بليغ أستفدته منه
فأنا مقيم بسويسرا منذ العشرة أعوام ويزيد قليلا ولكن لم يلفت انتباهي لضرورة التعرف على عادات وتقاليد هذا المجتمع الذي أعيش بين ظهارنيه ولكن مقالتك هذه حفزتني لعمل ذلك.
أعجبتني مدونتك كثيرا كثيرا وأتمنى أن أكون على اتصال بكم ويسعدني تلبية أي شيئا تريدونه من سويسرا .
دم طيبا
محبكم
الجطلاوي